وباء وإغلاق وشتاء .. مفردات تعمق بؤس الحياة في مخيم الجليل

 


 دعاء عبد الحليم – بوابة اللاجئين الفلسطينيين

من حيثُ المساحة هو الأصغر، أمّا من حيثُ المعاناة فهو الأكثر بؤساً بين مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في لبنان.. إنّه مخيّم "الجليل" الذي يقع في مدينة بعلبك في البقاع اللبناني.

يعيش اللاجئون في مخيم "الجليل" أوضاعًا مأساوية جدًّا، حيث تنقطع الكهرباء لأكثر من ثماني عشرة ساعة يومياً، في ظل تدنٍّ في الحرارة تصل إلى ما دون الصفر، الأمر الذي يؤدي إلى تجمد المياه داخل خزانات المياه. يضاف إلى ذلك تفشي الفقر والبطالة، وارتفاع سعر مادة المازوت للتدفئة.

الدفء قبل الطعام

ويشير اللاجئ أبو وسام عسكر لبوّابة اللاجئين الفلسطينيين إلى أنّ أهل المخيّم يعانون من قلّة الأشغال في فصل الشتاء وقد ازدادت هذه المشكلة بعد انتشار جائحة كورونا حيث أصبحت الأعمال قليلة جدًا، مع تكرر فترات الحجر والإغلاق، ولم يعد بمقدور المستأجر تأمين أجرة المنزل الذي يسكنه بالإضافة إلى لقمة عيشه ويفضّل تأمين المازوت قبل الأكل.

وأوضح عسكر أنّه في فصل الشّتاء تتشكّل طبقات من الجليد، تحرمُ اللاجئ من الخروج من المنزل ما يضاعف من معاناته، إضافة إلى انقطاع مادّة المازوت في بعض الأوقات، واصفاً واقع المخيم بالمأساوي والمرير.

يحمل عسكر مسؤولية هذه الأوضاع الصعبة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا” ويتهمها بأنها تتجاهل هذا الواقع، ولا تبذل جهوداً تلامس ملف اللاجئين كي تخفف الأعباء عنهم، قائلاً: إن الوكالة قدمت مساعدات مالية فقط للعائلات المصنّفة "قضايا" ولكن هذا المبلغ غير كافٍ.

شتاء دون كهرباء

ذات الكلام يؤكده أمين سرّ اللجنة الشعبية لمنظمة التحرير الفلسطينية كارم طه الذي يصف أوضاع اللاجئين الفلسطينيين في مخيم الجليل بالصعبة، خاصّة في فصل الشتاء تبعاً لظروف منطقة بعلبك ومناخها، فضلاً عن انتشار البطالة عند قسم كبير من الطبقة العاملة وتردي أجر العاملين.

ما زاد الطين بلّة، وفقَ طه تعطّل أحد محطّات الكهرباء التي يتغّذى منها أهالي المخيم وجواره، وهي المرّة الثانية التي تحترق فيها محطة الكهرباء خلال شهرين، ويشير طه لبوّابة اللاجئين الفلسطينيين إلى أنّ اللجنة الشعبية طالبت شركة الكهرباء بفصل المخيم عن الجوار، والشركة طالبتهم بالتواصل مع أحد النواب أو الوزراء لتحريك الموضوع من بيروت، وتواصلت اللجنة مع نائب في حزب الله ومع الوزير عبد الرحيم مراد وشخصيّات أخرى وقد تمّ وعدهم بتركيب محوّل سعته 250 ميغا واط لكن المخيم يحتاج إلى 500.

إضافةً إلى هذه الأزمة، يقول طه: إن وكالة الأونروا لم تقم بترميم المنازل المتصدّعة حتى الآن رغم معاينتها للعائلات المتضررة، كما قلّصت من خدماتها الإغاثية والتربوية والتموينية.

ويتخوف سكان مخيم الجليل بحسب طه من انهيار بعض المنازل المتصدعة غير الصالحة للسكن، أو من تطاير لوائح الزينكو التي يتخذها اللاجئون أسقفاً لمنازلهم، كما ويتخوفون من طوفان المياه بعد ذوبان الثلوج وعدم قدرة البنية التحتية على استيعاب المياه، إضافة الى نقص في المواد الأساسية كمواد التغذية والمازوت.

مياومون بلا عمل

مشكلة أخرى يواجهها معظم أهالي مخيم الجليل، يشير إليها المسؤول السياسي لحركة حماس في المخيم عزت منصور، تتمثل بتأثير الإغلاق العام في البلاد نتيجة تفشي جائحة "كورونا" على أوضاع العمال من اللاجئين الفلسطينيين.

يقول لبوابة اللاجئين الفلسطينيين: إن الإغلاق العام أثَّر مباشرة على حياة أهالي المخيم، فالكثير من أبناء المخيم يعملون كمياومين في مهن كالبناء والدهان والبلاط وهم الآن بلا عمل وبلا معيل.

مع وجود العديد من الإصابات بالكورونا في داخل المخيم والجوار من أبناء شعبنا وللأسف الأونروا غائبة عن السمع.

وعبّر منصور عن تخوّفه من تدهور أوضاع أهالي المخيم الاقتصادية بشكل أكبر، مع اقتراب منخفض جوي خلال اليومين القادمين، مشيراً إلى ضرورة تأمين مادة المازوت لكثير من العائلات.

وتابع: "إن استمرت فترة الإغلاق العام، فهي الأخرى ستؤثر على أوضاع اللاجئين، وستفقد الكثير أيضًا أعمالهم ما سيجعلهم غير قادرين على تأمين قوتهم اليومي".

واقع يبدو مأساوياً، تحدّث عنه أيضاً مسؤول الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في المخيم أحمد شاهين، حيث قال "إنّ سكّان مخيم الجليل مثل كل المخيمات الفلسطينية يعانون من الأزمة الإقتصادية و القوانين اللبنانية التي تمنع الفلسطيني من ممارسة العمل، إضافةً لذلك فإن الفلسطينيين في منطقة بعلبك ومخيم الجليل في فصل الشتاء كما كل سكان المنطقة يعانون من توقف الأعمال و خاصةً الأعمال التي تتعلق بالزراعة والبناء، حيث انَّ معظم العمال في المخيم يعملون في هذا المجال، و بالتالي هذا يزيد الأمور تعقيدًا، وجائحة كورونا وحالات الإغلاق و التوقف عن العمل أتت لتزيد الأمور سوءًا خصوصًا في بعض مجالات العمل التي كانت لا تزال مفتوحة أمام سكان المخيم وسكّان المنطقة بشكل عام.

إغاثة غير كافية

وأشار شاهين إلى أنّ الجمعيات و المؤسسات تقدم بعض المساعدات التي تساهم في تخفيف عبء الأزمة الإقتصادية عن سكان المخيم، لكنّها ليست كافية.

وأوضح شاهين لبوابة اللاجئين الفلسطينيين أنّ اللجان الشعبية تنسّق مع الجمعيات والمؤسسات في عملية توزيع المساعدات لتتيح المجال لاستفادة أكبر عدد ممكن من أهالي المخيم، مشيراً إلى أنّ " أهالي المخيم بحاجةٍ ملحّة في هذه الظروف الصعبة إلى الحصول على مساعدات من وكالة أونروا، مساعدات تشمل كل الفلسطينيين دون مصنّفات واستثناءات.

أما فيما يتعلق بموضوع أزمة الكهرباء في المخيم، أوضح شاهين إلى أنّ هذه الأزمة تتجدد في كل عام وخصوصا في فصل الشتاء حيث تكثر عدد ساعات انقطاع التيار الكهربائي، ودعا شاهين من خلال موقعنا أهالي المخيم إلى ترشيد استهلاك الكهرباء خاصةً أن في لبنان أزمة في تأمين قطع الغيار والمحولات.

مطالب لحياة لائقة

فصل الشتاء في مخيم الجليل يشكل عبئًا ثقيلًا نفسيًّا وماديًّا ومصدر قلق في ظل اشتداد الأزمات الاقتصادية في لبنان بالتزامن مع جائحة "كورونا"، وعليه يطالب المسؤولون في مخيم الجليل بحسب القيادي عزت منصور، وكالة الأونروا والفصائل الفلسطينيّة بالقيام بدور أكبر حيث يكون أكثر فاعليّة وتأثيراً، وأن تولّي قيادة منظّمة التّحرير الفلسطينيّة مخيّم الجليل الاهتمام الكافي، وتتخذ مع "الأونروا” الإجراءات الضّروريّة، وتؤمن المستلزمات الوقائيّة اللّازمة لمواجهة فيروس كورونا، وأهمها تأمين مركز لحجر المصابين تفاديا ًلإصابات جديدة يمكن أن تسجل في المخيم، وضرورة صرف بعض الأدوية للمحتاجين الذين يعانون من أمراض دائمة وتعزيز العيادات التابعة لـ "الأونروا” بأطباء ذوي كفاءة واختصاص، كذلك إعادة تجهيز مركز الهلال الأحمر وتأهيله كمستشفى يستفيد منه أهالي المخيم

والإيعاز إلى فريق الهندسة في "الأونروا” بضرورة الكشف عن المنازل التي تعاني من مستشفيات في الجدران والأسطح ومعالجة هذه المشاكل، إضافةً إلى ضرورة تأمين مساعدات دائمة لأهالي المخيم، إذ أن الوضع الخاص الناتج عن الإهمال والذي يعاني منه أهالي المخيم يستوجب الدعم والمساعدة.

في هذا السياق، يطالب القيادي أحمد شاهين وكالة "الأونروا” بتأمين مادة المازوت مصدر الدفء الوحيد للفلسطينيين في مخيم الجليل، والبقاع بشكل عام وجعلها جزءاً من مساعدات دائمة تقدم في فصل الشتاء، مشيراُ إلى أنهم سبقوا وطلبوا من الوكالة بجعل توفير بدل المازوت لكل الفلسطينيين، وليس لمن يتلقون فقط مساعدات اجتماعية.

هذه إذاً جل متطلبات اهالي مخيم الجليل، لا تتعدى أن تكون صرخة تنادي فقط بحياة كريمة تتوفر فيها أدنى إمكانيات البقاء الإنساني اللائق.