أخر المواضيع

عيدُ الأمة غزة وأضحاها عزةٌ


بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي

خارج قطاع غزة المحاصر المخنوق، المشتعل الملتهب، الجائع العَطِش، الجريح النازف، الشهيد المفقود، الأسير المعتقل، الملاحق بالقصف والمطارد بالغارات، الممزق الأطراف والمدمر العمق، الذي سويت مبانيه بالأرض، ودمرت بيوته ومنازله، وقصفت أبراجه ونسفت مجمعاته، وجرفت شوراعه وتاهت طرقه، وصارت أرضه حفراً عميقة وأخاديدَ كثيرة، وتلال ركامٍ ومجمعات أنقاض.

 

خارج قطاع غزة الذي غابت معالمه وتغيرت ملامحه، فلا بيوت عامرة، ولا علامات بارزة، ولا طرقات معروفة، ولا محال مفتوحة، ولا أسماء مرفوعة، ولا مآذن تكبر، ولا مساجد يرفع فيها اسم الله، ولا مدارس تعلم ولا جامعات تدرس، ولا أسواق تبيع ولا محال تعرض بضاعتها، ولا دكاكين تزين للأطفال ما عندها، وتعرض جديدها، ولا ألعاب أطفال ولا مراجيح عيد، ولا حدائق ولا منتزهات، ولا سيارات ولا عربات، ولا شيء مما كان يميز قطاع غزة الذي كان يضج بالحياة، ويموج بالحركة، ويغلي بأهله ويزدان بسكانه، ويحتفل في الأعياد بفرح، ويخرج إلى الشوارع بزهوٍ، ويقاوم العدو بأفراحه واحتفالاته، وسعادته رغم ألمه وجراحه.

 

بعيداً عن قطاع غزة الحبيب، وسكانه الغُر المحجلين، وأهله الصابرين المحتسبين، وأبنائه الجرحى المصابين، والحزنى المكلومين، وأمهاته الثكالى وأطفاله اليتامى المحزونين، الحفاة العراة إلا من بسيطٍ تحت الركام وجدوه، ومن بين الأنقاض استخرجوه، وعلى أجسادهم التي أعياها الجوع وأطناها الوهن لبسوه، ورجاله الذين ما كسر القتل ظهورهم، ولا طأطأ العدوان رؤوسهم، ولا غَيَّرَت الحرب قناعاتهم أو بدلت مفاهيمهم، وإن وهنت قواهم، وشاب شعرهم، وتغضن جلدهم، ونحلت أجسادهم، وفقدوا الكثير من صحتهم، حتى تبدلت أشكالهم وتغيرت معالمهم، واستغربوا صورهم التي يروها في وجوه بعضهم، إذ لم تبق مرايا يرون فيها أنفسهم، ويزينون أمامها وجوههم، ويعدلون صورهم.

 

لكن في كل مكانٍ آخر يقيم فيه الفلسطينيون، في أقاصي الأرض وفي أطرافها، في الشتات القريب والانتشار البعيد، وفي المخيمات المحيطة بالوطن والتجمعات المتعلقة بالأرض، تغيب أجواء البهجة والفرح، وتزول من الشوراع والطرقات دعوات المباركة وعبارات التهنئة، ويخرج المصلون فرادى وزرافات إلى المساجد وساحات الصلاة العامة، بصمتٍ مهيبٍ، وخشوعٍ جليلٍ، وحزنٍ بليغٍ، وعيونٍ ذهب بريقها وانطفأ نورها، وأجسادٍ فقدت حيوتها، وهممٍ تراخت خطواتها، وقد تخلوا عن زينتهم، وامتنعوا عن لبس الجديد من ثيابهم، وفقدوا في كل مكان مظاهر الاحتفال بالعيد، الذي انتظروه طويلاً، وهيأوا أنفسهم للاحتفال به كثيراً.

 

لا يستطيع الفلسطينيون في كل مكانٍ بعيداً عن غزة، ولو أنهم اجتمعوا في مساجدهم، وأدوا صلاة العيد إحياءً لسنةِ نبيهم، وتمسكاً بدينهم وحرصاً على مضامين عبادتهم، واستمعوا إلى خطبة العيد التي كانت عن غزة وأهلها، وعن مقاومتها وتضحياتها، وصبرها واحتسابها، أن يظهروا فرحتهم، أو أن يتبادلوا التهاني بحلول عيدهم، فقد خلت رسائلهم المتبادلة فيما بينهم إلا من الدعاء، وغابت عنها كلمات المباركة، وحلت مكانها بشريات النصر وأمنيات العودة، وعزائم الثبات ووعود الصمود، ويقين البقاء وصدق الثبات.

 

يخجل الفلسطينيون عموماً وربما من لهم أهلٌ في غزة على وجه الخصوص، من التقاط الصور لأنفسهم، أو معايدة أطفالهم وشراء ثيابٍ جديدة لهم، والخروج معهم إلى الملاهي والملاعب، أو تنظيم رحلاتٍ عائليةٍ، وعقد حلقاتٍ للفرح والترفيه، أو الاستمتاع بشواء لحوم الأضاحي، إلا أن يروا غزة وقد توقفت الحرب عليها، وانتهى العدوان ضدها، وانسحب العدو منها، وخرج من كل محاورها، وعاد أهلها إلى مناطقهم، وسكنوا ما بقي من بيوتهم، وشعر أهلها بالأمن في مناطقهم، فلا عدو يهددهم، ولا حواجز تمنعهم، ولا طائرات مسيرة ترصدهم وتتجسس عليهم، أو تقنصهم وتقتلهم، ولا طائرات حربية تقصفهم وتغير عليهم، أو دباباتٍ ومدافع ميدان تطلق عليهم حمم قذائها ونيران أسلحتها.

 

يحزننا نحن الفلسطينيين في هذا اليوم ألا نحتفل ونفرح، وألا نشارك الآخرين ونتبادل معهم التهاني، لكننا نعد أمتنا التي تقف إلى جانبنا، وشعوبنا العربية والإسلامية التي تؤيدنا، وتتضامن معنا وتساندنا في مقاومتنا، وتدعم حقنا وتتمنى أن يكون لها دورٌ معنا، أننا سنحتفل معهم قريباً، وسنفرح معهم أكيداً، وسنحقق النصر على عدونا، ونرغمه ونجبره على وقف الحرب وإنهاء العدوان، والانسحاب من قطاعنا العزيز أولاً ومن أرضنا الطاهرة كلياً غداً، ولن تنفعه قوته ولن تحقق أهدافه عنجهيته، وكما أبكانا فإنه سيبكي، وكما آلمنا فإن وعد الله عز وجل الصادق لنا بأنه سيشكو وسيتألم، ولكنه لن يرجو من الله ما نرجوا.

 

فنحن بحمد الله وفضله بتنا اليوم أقوى وأقدر، وأصبر وأبصر، وأكثر ثباتاً وأعمق جذوراً، وأصبح يقيننا بعد الله عز وجل في غدناً أكبر، وفي مقاومتنا وقدرة أجيالنا أصدق، وجرحنا وإن غار فإنه سيبرأ، وعيوننا وإن بكت فإن دموعها ستجف وأحزانها ستنتهي، وسننسج بإذن الله في غزة ومعها، للعيد القادم أثواب العزة وملابس النصر، وسنجهز رايات العودة وأعلام الوطن، وسيكون أضحانا القادم أضحى عزة وعيد كرامة، نرفع به رؤوسنا، ونباهي به أمتنا، ونقول لشعبنا وكل أجيالنا القادمة، كل عامٍ وأنتم بخير، وكل عامٍ وأنتم بالنصر تحتفلون، وبالعزة ترفلون، وفي القدس تجتمعون وتلتقون، وفي رحاب المسجد الأقصى وباحاته تصلون وتهللون وتكبرون. 

وكيل الأمين العام للأمم المتحدة: نعتقد أن الحرب في غزة لا زالت بعيدة عن نهايتها

 


أكد وكيل الأمين العام للأمم المتحدة مارتن غريفيث، في حديث لـ"سكاي نيوز عربية" أن "دخول المساعدات إلى غزة متوقف بشكل كبير بسبب إغلاق المعابر"، لافتا الى انه "طلبنا من الولايات المتحدة تأمين خط تواصل مباشر مع قادة الجيش الإسرائيلي في غزة".

ولفت الى ان "هناك استهداف مباشر من الجانب الإسرائيلي لمؤسسات الأونروا في غزة، ونعتقد أن الحرب في غزة لا زالت بعيدة عن نهايتها"، معتبرا ان "أرقام الضحايا القادمة من غزة دقيقة عكس ما تدعيه إسرائيل".

وشدد على ان "المجاعة قائمة في غزة وهي تقضي على الأطفال أولا"، معتبرا ان "القانون الدولي لا يجب أن يفرق بين أي طرف متهم بارتكاب جرائم حرب".

اسرائيل تقضي على المنظمات الدوليّة بدعم اميركي وغربي

 

"من اجل عينيك فقط" كان عنوان احد افلام الجاسوس الشهير جايمس بوند، الذي يخرق القوانين ويفعل ما يشاء باسم العدالة والحق. ولم اجد افضل من هذه الجملة لوصف مدى الاستنسابية والعمى الذي يضرب الولايات المتحدة الاميركية والغرب عندما يتعلّق الامر باسرائيل. لم افهم يوماً هذه العقدة التي تم تكريسها كأمر واقع، وهو انه يمكن لاسرائيل القيام بما تشتهي وتخرق ما تريده من القوانين والاعراف الانسانية دون سواها، من دون ان تُسأل ولو مجرد سؤال عن تصرفاتها.

وبعد ان قضت اسرائيل على الامم المتحدة وميثاقها وقراراتها، وبعد ان استهدفت عناصرها ومؤسساتها، ها هي اليوم المحكمة الجنائية الدولية تتعرض لاشرس حملة ضدها بسبب طلب المدعي العام فيها اصدار مذكرات توقيف بحق رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع يوآف غالانت، وتحوّلت هذه المحكمة من ملاذ ومطلب دولي، الى مجرمة مدانة يجب القضاء عليها. واللافت ان الادانة لم تقتصر على الاسرائيليين، بل عمّت العالم اجمع، لان نتنياهو وكل اركان حكومته اصبحوا قديسين منزّهين عن اي عيب، لم يرتكبوا سوى الصالحات بحق الناس، واذا بالمحكمة تتهمهم جزافاً بأمور لم يعهدوا القيام بها.


عملياً، قال الاميركيون والدول الغربية للمحكمة عن طلب المدعي العام فيها: "بلّوها واشربوا ميّتها" وهو تعبير عاميّ لبناني مشهور، زادت شهرته بعد ان قاله النائب محمد رعد عن اعلان بعبدا الذي كان عرّابه رئيس الجمهورية السابق العماد ميشال سليمان. اي بمعنى آخر، فإن المذكرات، في حال صدرت، لن تجد من ينفذها وستكون بمثابة "ديكور" في هذه المحكمة، وسيتنقّل الواردة اسماؤهم فيها من الاسرائيليين، بحريّة ومن دون ايّ قلق او خوف من اعتقالهم في اي بلد حلّوا فيه. ولكن، ما غفل عن الغربيين "العظماء"، هو ان المذكرات ايضاً ستلحظ اسماء شخصيات من حركة "حماس"، فهل سيتمّ اغفال اعتقالهم ايضاً؟ بالطبع لا، لان الحملة عليهم ستكون مشدّدة وستتفق الآراء على انّ هذه المذكرات يجب تنفيذها بشكل تام بالشق المتعلق بالفلسطينيين فقط، فيما يجب اهمال الشق المتعلق بالاسرائيليين. ولتفريغ المحكمة من عدالتها، لم يكن الاعتراض على "الظلم" بالاتهامات الموجّهة الى المسؤولين الاسرائيليين، بل كان السخط كلّه موجّهاً نحو "الوقاحة" التي تحلّى بها المدعي العام بمساواته بين المسؤولين الاسرائيليين ومسؤولي حركة "حماس"، لان الاخيرين "وحوش" (اي لا ينتمون الى الانسانية بصلة)، فيما نتنياهو وغالانت ورفاقهم هم مثال للانسانية ولم تتلطّخ ايديهم بأي مجازر او ابادة جماعية بحق اطفال وشيوخ ونساء، في اصدق تعبير عن العنصرية وسيئاتها.
الخطورة في ما يفعله الاميركيون والغربيون اليوم، هو انه بعد تقويض الامم المتحدة، لن يكون هناك اي وزن للمحكمة الجنائية الدولية وقراراتها، وستكون مجرد ضحية جديدة على لائحة ضحايا اسرائيل، "من اجل عيون الاسرائيليين فقط"، وستحل الاستنسابية مكان العدالة، والعنصريّة مكان الحيادية، وستختار الدول اي قرارات ستنفّذ واي قرارات ستتجاهلها، كلّ ذلك في سبيل المصلحة العامة وتطوّر الانسان!.

ما يسرّ الغربيون اليوم، سيتحوّل في المستقبل الى لعنة عليهم، فمع المسار الذي تنتهجه روسيا ومعها الصين وبعض الدول المؤثرة، للانشقاق عن النظام العالمي المتّبع منذ عقود من الزمن، سنجد انفسنا سريعاً امام نظام عالمي جديد رديف، حيث قد تطبّق قواعد معيّنة في نصف الكرة الارضيّة، وقواعد اخرى في النصف الباقي منها، فتكون اسرائيل بذلك احد الاسباب الرئيسيّة لانهيار النظام العالمي الذي عرفناه وشهدناه وطالبنا بتغييره، انما نحو الافضل، فإذا به يتغيّر نحو الاسوأ، في سبيل الدفاع عن فكرة سخيفة هي تفوّق اسرائيل على العالم.
ويسألون بعد: لماذا هذا النفور من اسرائيل؟.