اللاجئون الفلسطينيون في مخيم «الجليل» في لبنان بين البؤس والقهر والظلم الاجتماعي


 عبد معروف

على بعد حوالي 90 كلم من العاصمة اللبنانية بيروت، وعند المدخل الجنوبي لمدينة بعلبك في منطقة البقاع شرق لبنان، وعلى بعد أمتار قليلة من هياكلها وأعمدتها الأثرية، يقع مخيم «ويفل» أو مخيم «الجليل» للاجئين الفلسطينيين.

بلغ عدد اللاجئين المسجلين في سجلات وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا» نحو 8.250 لاجئاً (حوالي 950 عائلة) بعد أن شهد المخيم نسبة هجرة عالية إلى أوروبا ويطلق عليه البعض فكاهة اسم «مخيم الدانمارك».
تعود أصول سكان المخيم لمنطقة الجليل شمال فلسطين خاصة لوبيا، وصفورية، والمجيدل، والفراضية، وحطين، وسعسع، وسحماتا، وشفا عمرو وغيرها، ونتيجة الزيادة السكانية، اضطر عدد من أبناء المخيم إلى مغادرته والسكن في محيطه وفي مدينة بعلبك وضواحيها. كما استقبل المخيم منذ بداية الأزمة السورية عام 2011 عدداً لا بأس به من النازحين السوريين والفلسطينيين، وخصوصاً من أبناء مخيم اليرموك، وهو الأمر الذي زاد في العبء على صعيدي الاكتظاظ البشري والسكن والخدمات والأزمات الاجتماعية.

ثكنة عسكرية فرنسية

مخيم «ويفل» أو«الجليل» هو في الأصل ثكنة عسكرية فرنسية من أيام الانتداب الفرنسي في لبنان، وقد عملت المباني الإثنا عشر داخل سور الثكنة، على توفير الملجأ للاجئين الفلسطينيين في عام 1949 بعد حوالي عام من نكبة 1948. حيث تحولت الثكنة العسكرية الفرنسية بمبادرة من الحكومة الفرنسية ولجنة الصليب الأحمر الدولي إلى مخيم للاجئين الفلسطينيين. وفي عام 1952 تسلمت وكالة «الأونروا» مسؤولية تقديم الخدمات وإدارة شؤون اللاجئين في المخيم.
تبلغ مساحة الثكنة – المخيم 42300 متر مربع. وفي البداية أقامة اللاجئون جماعيا داخل عنابر الثكنة ثم جرى تقسيم تلك العنابر على مراحل: الأولى كانت بالبطانيات والأقمشة وفي وقت لاحق بنيت الجدران الأسمنتية.
«ويفل» هو الاسم الرسمي للمخيم، والمعتمد لدى وكالة «الأونروا» نسبة إلى الثكنة العسكرية الفرنسية، وهو محل الإقامة الذي كان وما زال لسكان المخيم وتتوارثه الأجيال، وكأنه علامة فارقة، تماماً كما هي الحال بالنسبة إلى اللاجئين الذين سكنوا بضع سنوات في ثكنة غورو قبل نقلهم إلى مخيم الرشيدية فظلت الثكنة محل إقامتهم.
أمّا لماذا استُبدل الاسم وأطلق عليه مخيم الجليل ومتى؟ فهو أمر تختلف الروايات بشأنه، لكن معظمها يشير إلى أن الاسم أُطلق في سبعينيات القرن الماضي، نسبة إلى قرى الجليل التي ينحدر سكان المخيم منها الذين رفضوا أن يحمل مخيمهم اسم ثكنة عسكرية.
وفي سؤال ماذا أطلق على مخيم الجليل أيضا مخيم «الدانمارك»؟ تقول الباحثة سناء حمودي، «لا شك في أن الأوضاع الصعبة التي عانى جرّاءها أبناء مخيم الجليل في البقاع ولا يزالون، دفعت نسبة كبيرة منهم إلى الهجرة عندما فتح عدد من الدول الأوروبية أبوابه لاستقبال الفلسطينيين خلال منتصف ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي». وتشير بعض المصادر إلى أن نحو 7000 شخص من سكان المخيم والمناطق المحيطة به هاجروا إلى الدنمارك والسويد وبنسبة أقل إلى النرويج. هذه الهجرة الكبيرة خلعت على المخيم تسمية مخيم الدانمارك، إذ يكاد كل منزل في المخيم لديه مهاجر في إحدى الدول الاسكندنافية، وتعيش هذه العائلات على التحويلات والمساعدات المادية التي يرسلها الأبناء. ويروي الأهالي قصصاً عن الهجرة «في ناس باعت بيوتها لتسافر، وفي نسوان باعت الذهب والمقتنيات». وساعدت التحويلات في عمليات البناء والتوسع عمودياً لا أفقياً.
يرسم مخيم الجليل، كغيره من المخيمات، خريطة الجغرافيا القروية لسكانه الذين جاءوا من منطقة الجليل شمال فلسطين، وعلى الرغم من وجود أحياء داخل المخيم تحمل أسماء القرى، مثل حي اللوابنة وحي الصفافرة وحي المجادلة، فإن هذه الأحياء مختلطة وسكانها ليسوا حكراً على قرية دون الأُخرى.

من الخيمة إلى الحجارة الداعمة

في سنة 1949 كانت الرحلة الجديدة، فنُقل الفلسطينيون من منطقتي بنت جبيل وعنجر والقرعون إلى ثكنة «ويفل» ليستقر بهم المقام هناك. وهذه المرة لم تكن الخيمة منزلاً، إذ كان البناء العسكري المهجور هو البديل، فتوزع اللاجئون في ثكنات عسكرية فرنسية قديمة كانت تُستخدم خلال الانتداب الفرنسي، وتضم سكن الضباط والجنود واسطبلات الخيل. المضحك المبكي هنا، أن نزلاء الثكنة اختصروا المرور عبر مراحل كان لا بد لكل مخيم من أن يمر بها، من الخيمة إلى بعض الحجارة الداعمة، إلى الزينكو وصولاً إلى المنزل الحجري، فحصلوا على بناء جاهز، وإن كان قديماً مهترئاً، وإن كان في قسم منه مأوى للخيل، فهذا ترف لم ينله كثيرون.
في المرحلة الأولى تكدست العائلات في غرف الثكنة واسطبلاتها، وأطلق السكان عليها اسم «البراكسات» ولم يكن البناء في المساحات الفارغة المحيطة بالثكنة مسموحاً، لكن الأمور تبدلت بالتدريج أولاً مع قدوم الفصائل الفلسطينية، ثم مع اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية، فبدأت عمليات البناء والتوسع العشوائي في المساحات الفارغة، ثم أصبح البناء عمودياً، قبل أن تمنع القوانين اللبنانية البناء داخل المخيمات.
يروي أبو عادل حكاية اللجوء إلى ثكنة «ويفل» كان عمره تسع سنوات عندما وصل مع أهله إلى بنت جبيل في جنوب لبنان، وهناك قضوا أياماً تحت شجر التين مع غيرهم من الفلسطينيين، ثم انتقلوا إلى مدينة عنجر البقاعية لكن الأرمن رفضوا استقبالهم، وجاء القرار بنقلهم إلى ثكنة «ويفل» في بعلبك. ظل أبو عادل حافي القدمين منذ مغادرته فلسطين حتى وصوله إلى بعلبك، ولأنهم سكنوا في طابق علوي، فهو يروي كيف كانوا يشاهدون تمثال السيدة العذراء في تل شيحا من المخيم.
حياة اللاجئين ومعاناتهم في هذا المخيم كانت الأسوأ بين جميع اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، ليس بسبب الحياة الرديئة فحسب، بل أيضا بسبب الطقس البارد والسيول والثلوج خلال فصل الشتاء الذي أدى إلى وفاة مئات الأشخاص في السنوات الأولى من اللجوء، إضافة إلى إصابتهم بالأمراض الناتجة من البرد القارس، وفوق هذا كله البطالة وعدم وجود فرص العمل.

مخيم المسنين والفقراء

يسجل مخيم الجليل أعلى نسبة هجرة في كل المخيمات الفلسطينية في لبنان، ويطلق عليه أيضا مخيم» الدنمارك» ويمكن القول أنه في وضعه الحالي أشبه بمخيم المسنين والفقراء، إذ أن معظم أسره يعتمد على مساعدات الأبناء في الخارج في حين الأسر الشابة تعيش أوضاعا معيشية وسكنية قاسية.
وعلى الرغم من أن مخيم «الجليل» قد عانى من أضرار بنيوية أقل من أي مخيم آخر، ولم يشهد حروبا تدميرية خلال سنوات الحرب التي شهدها لبنان، إلا أن اللاجئين الفلسطينيين في المخيم يعانون ظروفا معيشية وإنسانية مأساوية مضاعفة عن غيرها من المخيمات الفلسطينية في لبنان.
والمساكن في مخيم الجليل ليست صحية حيث لا يزال اللاجئون يعيشون في الثكنات الأصلية التي تعود إلى حقبة الجيش الفرنسي، وهي تفتقر إلى ضوء النهار والتهوية. والظروف في المخيم قاسية على وجه الخصوص في فصل الشتاء وتراكم الثلوج، حيث أن الوادي يعد منطقة ريفية نائية ذات شتاء قارس وصعب.
ولدى اتحاد تلك الظروف بالفقر، فإن النتيجة تؤدي لحدوث عدد من المشاكل الاجتماعية والمعيشية المأساوية. وليس بإمكان اللاجئين لفلسطينيين سوى العثور على وظائف عرضية في الزراعة والإنشاءات.
سميت الثكنة «ويفل» نسبة للجنرال الفرنسي الذي أسسها، وأصرت اللجنة الشعبية الفلسطينية والعديد من اللاجئين والفعاليات الاجتماعية الذين التقينا بهم على تسميته بمخيم المنسيين، والحقيقة أن الأسماء ليست هي المهمة ولا التواريخ أمام المأساة التي تتحرك والأزمات الآخذة بالتعقيد شيئا فشيئا دون حلول.
التساؤلات كانت أكبر والتمايزات بين واقع المخيم وواقع أي مخيم آخر كانت أكثر وفي ظل النسيان يحاول سكان المخيم جاهدين حل قضاياهم المتراكمة، بدءا من الفقر والتعليم والصحة والمرافق العامة والأوضاع الإدارية والسياسية، وأخيرا كما في كل فصل شتاء يعاني اللاجئون الفلسطينيون في المخيم من البرد وتراكم الثلوج واجتياح السيول ومياه الأمطار المنازل والمؤسسات العامة.
وتدير «الأونروا» ثلاث مدارس هي ابتدائيتان ومتوسطة ويبلغ عدد تلاميذها 750 منهم 415 صبيا و335 بنتا، ومركزا صحيا واحدا يضم عيادة طب عام ومختبرا، وعيادة طب أسنان، وفي المخيم مركز نسائي تابع للأمم المتحدة، أما المؤسسات الأهلية ومنظمات المجتمع المدني فوجودها في المخيم ضعيف.
ومع تلك المعاناة الحية والنبضات الحقيقية تجولت «القدس العربي» داخل مخيم «الجليل» والذي أشبه ما يكون بـ«غيتو» مغلق، تحيط به الأسوار العالية من كل الجهات، ما يزيد من تفاقم الأزمات القائمة والمتداخلة وتطرح أسئلة غاية في الخطورة والجدية.
أحياء المخيم صغيرة، فهناك زواريب بعضها واسع نسبياً، وبعضها الآخر ضيق جداً. من يسكنون الثكنة، يتشاطرون السقف والشرفة، لكن الغرف الداخلية الصغيرة لا تصلها الشمس، وتفتقر إلى التهوئة، فتصبح مظلمة خانقة بسبب انقطاع الكهرباء.
والمتتبع أخبار مخيم «الجليل» يلفته الأفلام القصيرة التي تناولت الحياة فيه، منها فيلم بعنوان: مخيم خمس نجوم، أعده عمر كايد، بإشراف الجامعة اللبنانية-كلية الإعلام والتوثيق، أظهر من خلاله أن للمخيم ميزات جوهرية جعلته استثنائياً، منها النظافة وتنظيم البنى التحتية والتعليم، ويخلص إلى أن مصطلحات مثل: الفقر والسلاح والنفايات والأميّة تحوّلت في مخيم الجليل إلى تكافل وأمن ونظافة وتعليم.
وبالإضافة إلى صور الشهداء والقادة وأعلام الفصائل الفلسطينية التي تزدحم بها شوارع وأزقة المخيم، تستقبلك لافتة كبيرة مكتوب عليها: «من جيل لجيل عن العودة والقدس مش متنازلين» ثم تقف متأملاً لوحة جدارية جميلة بألوانها، يرفرف فيها علم فلسطين وتحته بخط أنيق: «هل أراك… سالماً منعماً وغانماً مكرماً».
ويؤكد المسؤول السياسي لحركة «حماس» في مخيم الجليل وائل عدوان، أن «أهالي مخيم الجليل يعانون من حالات فقر مدقع، بسبب جغرافية المكان، التي تعتمد فقط على الزراعة، وتنعدم فيها المؤسسات والشركات المشغلة لليد العاملة في مجالات مختلفة».
وأضاف أن «اللاجئين الفلسطينيين في المخيم، يعانون التحديات الصحية وشبه انعدام العلاج، نظرا لعوامل أهمّها ضعف إمكانيات الأونروا والهلال الأحمر الفلسطيني، وبقية المؤسسات العاملة في القطاع الصحّي».
واعتبر أن «المخيّم يُعدّ من ضمن المخيّمات الأكثر حرماناً، على صعيد خدمات المؤسسات الأهلية والمدنية العاملة في الوسط الفلسطيني».
وشدد على أن «النقص في الخدمات الأساسية، والتهميش غير المبرر للمخيم، أدى إلى رغبة جامحة لدى كثير من العائلات بالهجرة إلى البلاد الأوروبية، من أجل العيش الإنساني الكريم».
اختلفت أسماء المخيم، لكن التقارير والمتابعين لأوضاع اللاجئين الفلسطينيين في مخيم الجليل يعرفون أنهم يعيشون داخل مساكن بائسة، وأوضاع إنسانية مأساوية في ظل ارتفاع نسبة البطالة والغلاء الفاحش والبرد القارس وتراكم الثلوج وغلاء مادة المازوت وأدوات التدفئة، بالإضافة إلى تفشي الفقر والبطالة ما يدفع سكان المخيم دائما لمناشدة المجتمع الدولي للاهتمام بأوضاعهم المعيشية بانتظار عودتهم إلى وطنهم.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق