عكا مدينة الرمل و الدمع والحب


 حمزة البشتاوي
يتمترس التاريخ بأبهى صوره شامخاً على أسوار مدينة عكا، التي تحتفظ بالكثير من الذكريات والحكايات، ومنها حكاية العشاق الذين قرروا الذهاب برحلة طويلة بالبحر، بعيداً عن شواطئ عكا، وعندما لم يتحملوا الغربة عن عكا المتربعة على قمة البحر، عادوا مسرعين إلى شواطئها الساحرة، ورمالها الذهبية الرائعة، ورقصوا فرحاً على موسيقى أمواج البحر والرمل والرياح وبريق العيون المشعة بالحب، ثم جلسوا يتأملون المدينة الجميلة دون أي شعور بالتعب أو الوقت، وعندما شعروا بالجوع قاموا باصطياد السمك من بحرها المنتفض كمقاتل شجاع، وحصلوا على غلة وفيرة من سمك الشبوط وأبو منقار والفريدي والبوري والغزال، واضرموا النار مستخدمين كتل من البوتاسيوم  كانت بحوزتهم من أجل طهي السمك، وحين إختلطت نترات البوتاسيوم بالرمل، نتج عن ذلك الإختلاط سائلاً لزجاً تحول إلى مادة شفافة، فكان الزجاج.
واشتهرت مدينة عكا منذ ذلك الوقت بصناعة الزجاج والأصبغة وصيد الأسماك وصناعة الحلويات ومنها التمرية وكعك الهواري وطبخ الخراف المحشوة بالأرز والمكسرات، وكذلك اشتهر العكاويون في صناعة الزجاج وخاصة زينة القصور والأوعية المنزلية والحلي للتبرج، وأشكال جميلة متعددة الإستعمالات.
وقد قال ابن بطوطة حين شاهد وانبهر بالأفران الضخمة المخصصة لصناعة الزجاج العادي والملون العاشق لمفاتن الضوء والكريستال المشتق من الرمل والصوان والكوارتز: إن عكا هي مدينة صناعة الحب والزجاج.
كما أن العديد من المصادر التاريخية أشارات، على أن رمل عكا ممتاز في جودته لصناعة الأدوات الزجاجية، وقد عثر على الكثير من هذه الأدوات في أنحاء مختلفة من أوروبا مع الإشارة على أنها قد صنعت في عكا.
وبشغف ومهارة عالية صنع العشاق في عكا من الزجاج خواتم للزواج، على شكل حلقات مستديرة فيها الكثير من بريق الحياة والحرية والأمل، ليتعاهدوا عند وضعها على العيش في دائرة الحب المقيم في المدينة، رغم المعاناة من قسوة الغرباء الذين جاؤوا من البحار البعيدة، وكسروا وهشموا الزجاج والحب والرمل، ولكن العشاق في عكا ما زالوا يغنون بدمع حار و من دون خوف أجمل أغاني التمسك بالحب والأرض، ومنها رائعة الشاعر توفيق زياد (هنا باقون) والتي يقول فيها: كأننا عشرون مستحيل/ في اللد والرملة والجليل/ هنا .. على صدوركم باقون كالجدار/ وفي حلوقكم/ كقطعة الزجاج كالصبار/ زوبعة من نار/ .. هنا على صدوركم باقون.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق