أنسي الحاج عن لبنان النظام: سندفنه بأقدامنا



 نصري الصايغ

قيل لي: مقالاتك جنازة كلامية، كـأن لا ينقصنا عذاب أو تعذيب. توقف عن اليأس. اشفق على البؤساء ولا تزدهم بؤساً. اترك في هذه العتمة بصيص أمل. لماذا تريد أن نموت قهراً. ما نعيشه من بؤس وفاقة كاف.

قيل لي أيضاً: يقيننا أن التغيير صعب إن لم يكن مستحيلاً. إننا نعيش يومياً وننتقل من السيء إلى الأسوأ. لدينا شعور دائم بأن الكارثة مستدامة وأن هذا يمحو الذاكرة، أو يقتلها. حسبنا جيداً الأخطاء والكوارث. إن قلوبنا مترعة حزناً ونتمنى أن ننسى “أننا لبنانيون”. أحصينا السنوات العجاف. إنها متراصة: حروب أهلية، ذئاب طائفية، تكالب سلطوي، ارتهاب وامتهان الخطأ. ثم أننا نعرفهم بالأسماء، ولا نخجل من تسميتهم، ولا يخجلون من عارهم.

إنما.. إنما.. إنما.. رجاء، كفْ عن تعداد ذلك. عدْ بنا إلى لبنان الجميل. لم يكن لبنان من قبل قبيحاً. كانت فيه علل، ولكن أيامه وسنواته، وتحديداً في  الستينيات الماضية كانت جميلة، حتى إندلعت حرب الخمسة عشر عاماً، وهي حرب تناسوها وتناسيناها، كي نعبر إلى اطمئنان نسبي، وسلام معقول، وحياة بلا صدمات. ومع أننا فشلنا، فلا بد من “فسحة الأمل” وإلا فإن العيش سيضيق على أعناقنا. اقلع عن تكبيدنا أحزاناً وقرفاً وتسعيراً. إننا نختنق، من مشاهد كل يوم، من جوع يقتات ساحاتنا وساعاتنا وأيامنا. اشفقْ علينا. اكسرْ قلمك، إن كنت لا تكف عن تعذيبنا واغراقنا في قاع اليأس.

بلى، تستطيع أن تعود إلى الحقبة الذهبية تلك. فلنستعدْ رايات رُفعت وأحلام نُسجت وسنوات كانت خصبة ومنتجة، وكان فيها لبنان رائداً، جميلاً، واعداً، متقدماً، حالماً، شاعراً، قادراً. عدْ إلى تلك السنوات، أيقظ فينا حس ذلك الجمال. أعدْ إلينا قارورة الطيب. ألم يكن لبنان عاصمة العرب، ومطبعة العرب، وكنار العرب، وملتقى الشعوب الشقيقة والشقية، أعدْ فتح ذاكرتك. تجرأ على الأمل. قلْ لنا هكذا كنا، وباستطاعتنا أن نعبر الكارثة، لنعيد للبنان رايته ومشعله وفرادته وطاقته، على الحلم والانجاز. لم نكن عراة، طوال عقد ونيف. كنا منارة. كنا الصحافة، كنا نجمع الشرق والغرب معاً في يوميات لبنان.

لا تكن عقوقاً أبداً. أعدْ الأحداث البراقة إلى نصابها. دعنا نعيد انتماءنا  للبنان. إننا نستحق النزول عن الصليب. لقد عانينا وما نزال نعاني الجلجلة. إحلم ودعنا نحلم على الأقل، بأن لبنان الجميل، سيتعافى بعد هذه المأساة، ويعود إلى لعب دور كان سباقاً فيه، بحكم تعدده. وانفتاحه ومناخات الحرية التي كانت توفر لرئتيه هواءً نظيفاً وأننا نتلمس الوصول إليه، يوماً بعد يوم.

تجرأ يا أخي على الأمل وابسطه أمامنا. إننا نراهن على الأمل. الأمل وحده يعيدنا إلى لبنان، ونستعيد به لبنان من مأساته التي لم تكتمل بعد.

أصغيت جداً للنصائح، شعرت بعد هذا كله، أنني كالغراب أو كالبوم. أستطيب النواح والبكاء على ما آلت إليه وقائعنا. عرفت أن إحدى محطات التلفزة تروج للبنان الجميل. قلت: عافاهم، لأنهم يحاولون اقناع الوهم بأنه حقيقي. تصيّدوا فترات التألق. افسحوا للبنانيين أن يجددوا إيمانهم بلبنان الجميل، الرائد، الناجح، الانموذج.. وأنه سيعود و”أنها شدّة وتزول”.

قلت معهم حق. فلنفتح خزائن ذاكرتنا وكتب تلك المرحلة وصحافة ذلك الزمان. طبعاً كان لبنان مختبراً للثقافات، منصةً للفكر الحر، بوابة المعرفة، قبضة الجرأة، حرية القول والكتابة والمعرفة. قلت فلنعد إلى الأسماء العلم، التي رفعت أعلامها وسجلت أحلامها، وجعلت من لبنان درة على مستوى الابداع.

لم يخب أملي أبداً. أحسست بقشعريرة لذيذة. عادت إليّ عافية التذوق، عبر سنوات المرارة والجفاف والجفاء والأخطار. قلت: ليس هذا كل ذلك. فتحت الكتب والمراجع. عدت إلى الصور الفوتوغرافية. ظهرت لي بعلبك تجترح النشوة واللذة والعمق والفن. كانت لجنة مهرجانات بعلبك رائدة. تفشت ريادتها إلى مدن وبلدات قلّدت بعلبك وتوهجت. كان صيفها عرساً ثقافياً. شهادة على أن لبنان يمتلك ذائقة رائعة. هكذا قالت سعاد نجار في شهادتها الحية. وإذ تترك بعلبك تداعب أحجارها وتفخر بها، تلتقي بدايات المسرح المعجزة: منير أبو دبس ومعه ستانسلافسكي. تلك البدايات أنجبت مؤسسات: “معهد التمثيل الحديث”. “فرقة المسرح الحديث”، “حلقة المسرح اللبناني” مع أنطوان ملتقى الذي التقى بمنير أبو دبس. تُقدم لطيفة ملتقى على الخشبة بانجازات فتحت المسرح على الحداثة والجدة والابتكار. المسرح لم يكن لبنانياً فقط، بل  أضيف إليه جهد أرمني، مع فاروجان حدشيان، برج فازليان الرائع، بعد تأسيسه فرقة فاهرام بابازيان. تعلمت الجامعة الاميركية أن المسرح اختصاص وابداع. أنشأت مسرحاً، ثم المسرح الوطني. في ذلك الزمن المغامر، اكتشفت بيروت برشت والمسرح العبثي. جلال خوري كان في المقدمة، وجوزف طراب وبول مطر وروجيه عساف، حيث كان الذروة في التغيير. ثم، ماذا يمكن أن نقول عن مسرح المدينة والمسرح الوطني، وشوشو العبقري ومسرحية آخ يا بلدنا.

مثلاً، المراجع تذكر أسماء من صنعوا مجد المسرح بعد ريادته: نبيه أبو الحسن، نضال الأشقر، إلياس إلياس، آلان بليسون، فائق حمصي، أنطوان كرباج المتألق والمتعدد، تيودورا الراسي، رضا خوري، رفعت طربيه، منير معاصري، ميشال نبعة، ميراي معلوف، وآخرون وأخريات.

لم يكن هذا العمران المسرحي بلا كتاب: شكيب الخوري رائد، عصام محفوظ تجرأ. هنري حاماتي في “مجدلون” التي قمعت، فأصرت نضال الأشقر أن تمثلها في شارع الحمرا، ولما حضر الأمن لجرهم إلى السجن، أكملوا المسرحية على ظهر شاحنة الاعتقال. أحست الدولة أن المسرح يخيف. كانت تظن أنه مجرد تسلية. لم تكتشف أنه أحد أبرز أسس التغيير ولا يمت إلى السلطة إلا بصلة النقد والنقض والكشف عن معايب السياسة.

وكلما فتحت مسرحاً، خرجت منه لمعات أناس أبدعوا وأضافوا وجعلوا من لبنان عاصمة الثقافة والابداع. كم كان ذلك واعداً. أسماء كثيرة لم نذكرها. ولكن لا بد من ذكر عمالقة: ريمون جبارة، يعقوب الشدراوي، جيرار أفاديسيان، رضا كبريت، موريس معلوف، جوزف بونصار.. وآخرهم وأبدعهم زياد الرحباني.

كان ذلك اللبنان رائعاً، لجهة الإبداع. الجيل الذي سبقنا شاهد روائع الفن والمسرح والرقص بين أعمدة الهيكل. هناك تألفت موسيقى ولغة وأداء الأخوين رحباني مع الملكة فيروز. هل نُعدّد أيضاً، روائع وديع الصافي وزكي ناصيف وتوفيق الباشا ووليد غلمية والصفحة تضيق. اسألوا أعمدة بعلبك عن ذلك الزمن. لا تسألوها عن أيامنا هذه أبداً، كي لا تغصوا حزناً، وتكسروا فرحاً بات نادراً وعابراً.

كانت البلدات والقرى اللبنانية تحتفل صيفاً بالشعر والغناء والرقص. نزلت الفنون إلى الشارع. زارت البيوت والساحات. بات لبنان منصة للجمال والفن والابداع. ومن يظن أن هذا مجاني وللتسلية والترفيه، لا يفقه أن هذه هي المقدمات لتغيير المجتمع وذهنيته الموروثة، بهدف تغيير النظام والسلطة ومحو حكامها ومسؤوليها من الوجود، بعد محاكمات علنية.. لكن اليد قصيرة. حرب الطوائف أعادت وحوش الديانات إلى الساحة. لقد ربّت الناس على العنف والكراهية.

ثم؛

ثم، وهذا هو الأهم، أين كانت السلطة في ذلك “الزمن الجميل”؟ ماذا كانت نظرة الفنانين والكتاب يومذاك؟ يا ناس: الثقافة والشعر والابداع في منصة مضيئة. ورجال الحكم والطغمة الحاكمة في دهاليز العتمة وصناديق المنافع.

نتساءل اليوم، أين هي المجلات الابداعية؟ أين “الآداب”؟ أين مجلة “شعر”؟ أين “حوار”، أين “الحكمة”، أين “الطريق”، أين سهيل ادريس؟ أين أدونيس، محمد الماغوط، شوقي أبو شقرا، فؤاد رفقه ومحمد دكروب؟ من يستذكر ويتذكر يوسف الخال. أين  الصحافة الثقافية التي أنجبت تمرداً ونقداً، ولم تترك عيباً إلا وشهّرت به؟ أليس معروفاً أن كل من خرج عن الصراط الطائفي الجهنمي، كان يساق إلى السجن. كانت تمحى مقالاته بشحطة قلم. ثم لا ننسى الحركة الأدبية النسائية بأسمائهن وانتاجهن.

لا تجوز المقارنة، بين عالم الابداع، وعالم الاتباع، الذين يتحكمون، ولا يحكمون ولا يملكون الحكمة أبداً. كانوا طغمة. المبدعون هم أعداء السلطة. يومها، يا أيها الذين يطالبونني بالكف عن اليأس، كانت الفجوة كبيرة جداً بين النظام الطائفي والناس، كتاباً وعمالاً وطلاباً وجامعيين ومواطنين. هما عدوان لدودان..

رائد حملات تعرية النظام هو الشاعر أنسي الحاج. لقد تجرأ على “قدس الأقداس” النجسة والمدنسة بالطائفية. إن لبنان الجميل لم يكن سياسياً أبداً. التوحش السياسي أصيل وطائفي ومتنام ومتناثر وخانق، وقد بلغ الذروة مرتين: مرة في الحرب الأهلية، ومرة ثانية، راهناً. عقيدة لبنان اليوم هي الحقد المتبادل. كيف تبنى أوطان على أحقاد، يعود أهلها، إلى أيام الصراع السني-الشيعي، والمسيحي الإسلامي، والماروني الدرزي.

لا تطلبوا مني أن أبيع أملاً كاذباً. هاكم ما كتبه أنسي الحاج في العام  1965، في عز صعود ونهوض العقل والذوق والفن والحضارة، على أيدي المبدعين، غير الملوثين بطوائفهم وأحزابهم الرثة الخائنة للوطن والمواطن:

“لا تصدقوا الأحزاب اللبنانية ولا السياسيين ولا الحكام. إنهم طائفيون وعملاء. شعب لبنان من اليوم، كان عبداً للعملاء. عبداً للطائفيين”.

“لا تصدقوهم. كلما ارتفع احتجاج بينكم يطلب العيش اللائق، رأيتموهم يحذرون من مخططات التخريب لهدم لبنان”.

“كلما نادى أحدكم بنفض الدولة وإزالة الظلم والتخلف من لبنان، رأيتموهم يتكتلون ضدكم، تحت ستار الحفاظ على وحدة الصف الوطني والحفاظ على كيان الوطن”.

“كذابون. لبنان بالنسبة لهم سلعة تجارية. الوطن اللبناني بالنسبة لهم، ليرة لبنانية.. الدولة اللبنانية بالنسبة لهم يجب أن تظل مندوبة لمصالحهم ومتسترة وحامية لها ومنفذة لأغراضها. هؤلاء الذين باعوا لبنان ودماء بنيه بالمال سنة 1958، عادوا حكموا ونطقوا باسم الشعب” (تماماً كما حصل بعد حرب الخمسة عشر عاماً، قادة القتلة يحكمون لبنان وينحرونه أيضاً).

“منذ ربع قرن وهم يتركون لنا الفضلات. منذ ربع قرن وهم يجعلون من لبنان جمعية للصوص الاحتكار واللمنافسة. منذ ربع قرن وهم، رأسماليين وطائفيين واقطاعيين عائليين، يستقبروننا روحاً وجسداً، يفرضون الخوّة ويزوّرون الإرادة ويتاجرون بالحشيش وبالسلاح وبالرقيق الأبيض. منذ ربع قرن وهم يخنقوننا. هؤلاء هم إسرائيل”.

” لبنان الحاضر فضيحة. ولا أحد يقدر أن يغيره غيرنا. لا الدبابات ولا الانتخابات ولا التطور الطبيعي. الدولة الحالية الحاكمة لا نعترف بها. لا أحد يحب لبنان سوانا. لا نوابك ولا حكومتك. هؤلاء ليسوا لبنانيين. هؤلاء انتهازيون. نريد أن نزيلهم. إن النظام الرأسمالي في لبنان، أفظع وأقوى وأشرس نظام رأسمالي في العالم. اشترى هذه الدولة”.

“هذا ليس نظامنا. هذا مستحمرنا”.

وما هو مصير لبنان العاهر والطائفي عند أنسي الحاج؟

“سندفنه بأقدامنا”.

أعتذر من الذين يصابون بيأس إضافي. ما كان جميلاً منذ 60 عاماً، هو اشعاعات ثقافية وفنية وأدبية وشعرية ونقدية مضادة لنظام فاسد ومنظومة لصوصية.

لا يمكن على الاطلاق أن يلتقي الفن والابداع مع الظلامية الدينية والسياسية.

هذا هو لبنان ماضياً وحاضراً.. ومستقبله البحث عن موت رحيم.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق