النظام والدولة والحكومة الجديدة

 

طلال سلمان

لأن لبنان «بلد بلا داخل»، و«النظام» فيه «مدوّل» بمعنى أنه نتيجة توافق دولي على توازناته الداخلية الهشة ووظيفته «الإقليمية» كنموذج للتعايش بين «مختصمين» أو «متنافسين» على أرض ضيقة، فإن «نظامه» أقوى من «دولته» التي قد تسقط فيبقى، ثم يُعاد ترميمها لتُحفظ للطوائف فيها كيانات تكاد تكون مستقلة بعضها عن البعض الآخر، وبالتالي فهي بحاجة دائماً إلى من يرعى تلاقيها فائتلافها للضرورة.
هذه «الدولة» هي في الغالب الأعم مأزومة، كنتيجة حتمية للأزمات المتوالدة من ذاتها في منطقة أدخل إليها، قسراً، جسم غريب عنها ومختلف عن مكوناتها، خصوصاً أنه جاء مثقلاً بمصالح دولية لم تتلاقَ على أمر إلا ذلك المتصل بإقامة «دولة اليهود في العالم» على حساب شعب فلسطين وأمن كل «الدول» المجاورة، والتي كانت أقيمت على عجل، مثل الدولة اللبنانية، في أعقاب الحرب العالمية الأولى تمهيداً لاستقبال «إسرائيل» في أعقاب الحرب العالمية الثانية.
ذلك بحث آخر، لنعد إلى لبنان وأزمة العلاقة المتوترة دائماً بين «دولته» الهشة التكوين وبين «نظامه» الثابت رسوخ الجبال!
ندر أن اطمأن رعايا «الدولة» في لبنان إلى ثباتها وقدرتها على الإنجاز،
إنها تبدو وكأنها الطرف الأضعف في الصراعات الدائرة من حولها وفي داخلها، والتي تشتبك فيها مصالح دول، بعضها بعيد جداً ولكنها شديدة النفوذ، وبعضها قريب جداً والقرب يعطيها القدرة على التأثير المباشر، كما أن تدخل البعيد يضفي على دور القريب في الداخل شرعية الدفاع عن «كيانه» وعن «مصالحه الوطنية».
ثم إن إسرائيل قدمت «للطوائف» في لبنان خصوصاً والمنطقة عموماً، نموذجاً ناجحاً، وفتحت باب الإغراء على مصراعيه: من ضمن الرعاية الغربية أمكنه أن ينجز مشروعاً سياسياً، «دولة» للطائفة أو حتى للمذهب، لها حصانة أكيدة باعتبارها بعض المصالح الاستراتيجية للغرب عموماً وأميركا على وجه التحديد… ومثل هذا المشروع سيحظى برعاية إسرائيلية مطلقة بلا جدال.
بالنسبة للغرب «دولة دينية واحدة» في هذه المنطقة تكفي… ولكن لا بأس من شيء من الاضطراب في الدول المجاورة. ذلك يزيد من تحصين إسرائيل ومن تأكيد منعتها بل وتفوقها على جوارها المعادي، والذي سيتعب في المستقبل من العداء العاجز، وقد يتوجه إلى نوع الصلح المجزي، فإن منعته كبرياؤه من الاستسلام فلتكن «الحدود الهادئة» هي المخرج اللائق للجميع.
[ [ [
بالنسبة للطوائف فإن لبنان «دولتها»، أما ضمانتها فهي «النظام» القوي الذي يحظى برعاية دولية دائمة تجعله يثبت للأزمات ويتخطاها حتى لو سقطت الدولة بمؤسساتها ورموزها الرسمية.
ولا تستطيع «الطوائف» متى فقدت غطاءها السياسي المموّه أن تحفظ الدولة أو تدّعي الحرص على وجودها. بل إن الدولة تتلاشى بقدر ما يتعاظم نفوذ الطوائف، فإذا امتلكت كل طائفة حق الفيتو، بذريعة العدالة أو المساواة، كان ذلك إعلان وفاة الدولة.
والطوائف «دول»، أو هي تحاول أن تكون كذلك، وقد تجد بعضها أو كلها من يساندها في هذا المسعى، ولو من باب توسيع دائرة نفوذه… إقليمياً.
و«المذاهب» تطمح لأن تكون ـ هي الأخرى ـ «دولاً».
من هنا يصبح تشكيل الحكومة من اختصاص مجلس الأمن الدولي!
فالدول مصالح، والطوائف بعض هذه المصالح. ويتطلب تشكيل الحكومة قيام ائتلاف بين المصالح ـ الطوائف على حساب «الدولة» التي تبقى وإن هي أجبرت على رعايته.
[ [ [
يمكن لأي عجوز أُمي في أقصى قرية بُعداً عن العاصمة الكونية بيروت أن يعدّد خمساً أو ستاً أو حتى عشر دول معنية بتشكيل الحكومة الجديدة، وحتى إن هو لم يحتسب إسرائيل بينها فهو يعرف أنها «معنية» وأن لها «رأيها» الذي توصله لأصحاب الشأن في «الدول» بطريقة أو بأخرى.. ولعلها في زمن مبادرات الصلح والأجواء المفتوحة باتت تجهر به، ولو بحدة، من أجل التذكير بأن لها مقعدها على الطاولة!
الأطرف: أن أحداً من المستمعين إلى العجوز الريفي لن يعترض على هذا التوصيف، وإن حاول بعضهم إعادة ترتيب مواقع هذه الدول بحسب قدرتها على التأثير.
… و«حكومة الوحدة الوطنية» تنتظر التوافق على هذه التراتبية المفتقدة الآن، بين هذه «الدول»، خصوصاً أن كل دولة تنسب إلى الأخرى تمتعها بالموقع الأشد نفوذاً لتحمّلها بالتالي المسؤولية عن التعطيل… أما التبرئة فتنتظر التنازلات المتبادلة التي تسمح بالعمل المشترك من أجل فرض التوافق في لبنان، تكريساً وتثبيتاً للتوافق الدولي.
هذا الواقع يعطي مساحة إضافية للمناورات بالهجوم أو بالتمترس في مواقع دفاعية قوية للأطراف المحليين في اللعبة.
وهكذا ينصرف اللبنانيون إلى التسلي باستعادة أقوال هذا أو ذاك من رموز الطبقة السياسية، ويستنتجون مواقف «الدول» من خلال تصريحات أقطابهم الذين يتطلب منهم واجبهم ملء الفراغ بالثرثرة، ريثما يتم البازار الدولي المنهمك بمسائل كثيرة تتطلب جهوداً مضنية لصياغة التوازنات الجديدة: مَن يأخذ ماذا، ومَن عليه أن يتصاغر، ومَن يتوجب تضخيمه لكي تكون القسمة ضيزى، وتملك من التماسك ما يؤمن استمراريتها ولو إلى مدى معلوم.
باختصار، فإن «حكومة الوحدة الوطنية» هي الاسم الحركي لتوافقات دولية تتجاوز الحكم في لبنان.. وهي توافقات تحتل فيها إسرائيل موقعاً مؤثراً، في طورها الجديد، «دولة اليهود في العالم» بكل تداعياتها على أوضاع المنطقة، وكلها مهزوز أو مؤقت أو انتقالي، وبالتالي فهي خاضعة لإعادة النظر عند أي اختلال في الموازين الإقليمية.
ثم أن «الضيف الجديد» الذي أُدخل إلى الحلبة، ونعني «المذهبية» سيفاقم من حدة الأزمات التي تفقد المنطقة بعض توازناتها القديمة… ويمكن متابعة التداعيات المنطقية أو المفتعلة والمضخمة إلى حد التعامل معها وكأنها بداية جديدة لتاريخ «الفتنة الكبرى»، للتعرّف إلى موقع لبنان عليها، ومن ثم نظامه الفريد، وبعد ذلك يمكن الحديث عن حكومته الجديدة التي لن تكون ـ متى استولدت ـ كأي من الحكومات التي سبق أن عرفناها!

نشر هذا المقال في جريدة “السفير” بتاريخ 24 آب 2009