تعليم الفلسطينيين في ظل أزمات "أونروا"



 العربي الجديد - حسام أبو حامد  

أُنشئت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) بموجب القرار رقم 302 الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في 8 كانون الأول 1949، بهدف تقديم برامج الإغاثة المباشرة والتشغيل للاجئين الفلسطينيين. وبدأت الوكالة عملياتها في الأول من شهر أيار عام 1950.

وبخلاف المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، التي أُنيطت بها ولايتا تقديم المساعدة الإنسانية وإيجاد الحلول الدائمة، فصلت الجمعية العامة للأمم المتحدة عند إنشاء الوكالة الخاصة باللاجئين الفلسطينيين بين الوظيفتين؛ فعهدت بولاية تقديم المساعدة الإنسانية للأونروا، بينما تُركت مهمة البحث عن حلٍ دائم ضمنياً للجنة التوفيق التابعة للأمم المتحدة والخاصة بفلسطين، والتي كُلِّفت بإدارة التوصل إلى حلٍ سياسي تفاوضي للصراع العربي الإسرائيلي.

مع تراجع الجهود السياسية للجنة التوفيق مطلع ستينيات القرن الماضي وعدم تمكنها من التوصل إلى حلول دائمة للصراع الفلسطيني الإسرائيلي، أخذت الجمعية العامة تُجدِّد ولاية الأونروا المؤقتة لتقديم المساعدات الإنسانية، وكان آخرها تمديد عمل الأونروا لغاية 30 حزيران 2023.   يتم تمويل الوكالة بشكل كامل تقريبا من خلال التبرعات الطوعية للدول الأعضاء في الأمم المتحدة.

وفي غياب حل لمسألة اللاجئين الفلسطينيين، اضطرت الوكالة إلى تعديل برامجها بشكل متكرر للإيفاء بالاحتياجات المتغيرة للاجئين الفلسطينيين، في الأردن ولبنان وسورية والضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، وقطاع غزة، ليتمكنوا من تحقيق كامل إمكاناتهم في مجال التنمية البشرية.

وتشمل خدماتها التي تقدمها لأكثر من خمسة ملايين وست مائة ألف لاجئ فلسطيني في مناطق عملها الخمس: التعليم والرعاية الصحية والإغاثة والخدمات الاجتماعية والبنية التحتية وتحسين المخيمات والحماية والإقراض الصغير والدعم المجتمعي والاستجابة الطارئة، بما في ذلك في أوقات النزاع المسلح. ومع تراجع الحاجة إلى الإغاثة تركّزت عملياتها على توفير التعليم لأكثر من نصف مليون شخص، إضافة إلى الخدمات الصحية والاجتماعية وغيرها، فبدت أشبه بمؤسسة حكومية تضع خططا وتدير برامج باستمرار، وكانت أحد عوامل الصمود الفلسطيني في الشتات حين ساهمت في رفاه أربعة أجيال من لاجئي فلسطين وفي تحقيق تنميتهم البشرية.  

التعليم الأساسي والمهني

تماشيا مع التزاماتها تجاه التنمية البشرية للاجئين تمثل أحد أهداف الأونروا الرئيسية في مساعدة الأطفال والشباب اللاجئين على اكتساب المعرفة والمهارات الملائمة، عن طريق توفير تعليم أساسي بمواصفات عالمية.

ويحوز برنامج التعليم على النسبة الأعلى من ميزانيات الأونروا السنوية (بلغت في بعض الميزانيات 54%، وبلغت تكلفة التلميذ الواحد في المرحلة الابتدائية 841.5 دولارا أميركيا). وقد استحدثت الأونروا 709 مدراس، وتسع كليات مهنية، وكليتين للعلوم التربوية، إضافة إلى معهدين لتدريب المعلمين، وباتت تدير واحدا من أكبر الأنظمة المدرسية في الشرق الأوسط، مع أكثر من 530 ألف طالب وطالبة مسجلين فيه، وتعد معدلات القدرة على القراءة والكتابة ومستويات التحصيل العلمي في أوساط طلبة الأونروا من ضمن النسب الأعلى في منطقة الشرق الأوسط، وذهب تقرير صادر عن البنك الدولي العام 2014، إلى أن اللاجئين الفلسطينيين حققوا نتائج تعليمية أعلى من المتوسط على الرغم من الظروف المعاكسة التي يعيشونها.

على عكس ما يمكن توقعه من إدارة محدودية الموارد تخدم الطلاب اللاجئين الذين يواجهون باستمرار العديد من المحن، فإن طلاب الأونروا يتفوقون على المدارس العامة في المناطق الثلاث: الضفة الغربية وغزة والأردن، بما قيمته سنة من التعلم، وأن منجزات نظام الأونروا التعليمي انعكس من خلال إنجازات طلابها الذين تفوقوا بشكل مستمر على أقرانهم في المدارس العامة ويحققون نتائج أعلى من المعدل في التقييمات الدولية. أيضا، حقق النظام التعليمي للوكالة الوصول المتساوي لكافة الأطفال، بغض النظر عن نوعهم الاجتماعي وقدرتهم وظروفهم الصحية ووضعهم الاجتماعي الاقتصادي (بلغت نسبة الطالبات الإناث 52.2%)، أما برنامج التعليم المهني والتقني التابع لها فيهدف إلى تزويد الطلاب الفلسطينيين اللاجئين بمهارات وتقنيات قابلة للتسويق في عدد من المهن، والمهن الفنية، التي تؤدي إلى توظيفهم. وقد أنشئ أول مركز للتدريب المهني (VTC) في قلنديا (الضفة الغربية) في عام 1953. لاحقا، أنشأت الأونروا سبعة مراكز أخرى من هذا القبيل في عدة مناطق.    

المناهج التعليمية

تدرّس الأونروا في مدارسها مناهج الدول المضيفة، إذ ليس لها ولاية على تعديل أي منهاج تابع للحكومة المستضيفة أو كتبها الدراسية، والتي تعد مسألة سيادة وطنية، كما أن ذلك كان السبيل الذي يضمن قدرة اللاجئين الفلسطينيين على الاندماج في الأنظمة التعليمية للدولة المضيفة، والتحاقهم بالامتحانات العامة التي تجريها تلك الدول للالتحاق بالتعليم الثانوي والعالي، بالمساواة مع طلاب المدارس المحلية.

لذلك كان عليها الاستجابة لتعدد المناهج الدراسية والأنظمة التعليمية في الدول المضيفة، واستحداث خطط لإدارة وتشغيل عدة أنظمة تعليمية، ومناهج مختلفة تتضمن مجموعات كتب متعددة، مما شكل عبئا إضافيا على الأونروا في مستوى التخطيط والإدارة والانتشار.

في الأراضي المحتلة وقبل قيام السلطة الوطنية الفلسطينية كانت المناهج الدراسية في الضفة وغزة تخضع لفحص من قبل اليونسكو للتأكد من خضوعها لمعايير الأمم المتحدة، وخضعت لتصريح خاص من سلطات الاحتلال الإسرائيلي التي حجبت التراخيص في غير مرة عن بعض الكتب، رغم موافقة اليونسكو. واستمرت سلطات الاحتلال الإسرائيلي بالضغط على السلطة الفلسطينية والأونروا فيما يتعلق بالمناهج الدراسية المعتمدة في مدارس الأونروا في الضفة وغزة بحجة أنها تعج بمعاني معاداة السامية ونزع الشرعية عن "إسرائيل".

كما تحاول سلطات الاحتلال فرض منهاج إسرائيلي بحت على مدارس القدس التابعة لها، وأعلنت مطلع العام الماضي (2021) عن إنشاء مجمع مدارس تابع لوزارة التربية والتعليم "الإسرائيلية" شرق القدس المحتلة، كخطوة نحو إخلائها من مدارس الأونروا، في إطار مخطط قديم جديد لتهويد المدينة وإنهاء عمل الوكالة الدولية.  

الكادر التعليمي

ضمن برنامج تأهيل وتدريب المعلمين الذي تأسس عام 1964 كمشروع مشترك بين الأونروا واليونسكو يقدم معهد التربية التابع للأونروا التدريب والتطوير للآلاف من المعلمين ومديري المدارس والمشرفين في مختلف مناطق عمليات الوكالة، أثناء الخدمة وقبلها بالإضافة الى تدريب أساسي وإثرائي وفق منهجية متطورة تستجيب للاحتياجات التربوية المتغيرة للمنطقة. ويعمل برنامج التدريب أثناء الخدمة على المحافظة على وتحسين نوعية التعليم المقدم للأطفال في مدارس الوكالة.

من خلال رفع سوية المؤهلات المهنية للمعلمين لمساعدتهم على التكيف مع التغيرات في المناهج وتحسن أساليبهم التدريسية، وتطوير مهاراتهم التربوية والإشرافية. حيث يتلقى سنويا ما بين 800 إلى 900 موظف تدريبا طويل الأجل، أثناء الخدمة يقوم معهد التربية بتنظيمه وتنفيذه بشكل مشترك مع مراكز التطوير التربوي في أقاليم العمليات بدعم من رئاسة الأونروا في عمان.

وفي الأردن، توفر الأونروا برنامجا تدريبيا أثناء الخدمة مدته ثلاث سنوات لمساعدة موظفي التعليم على رفع مؤهلاتهم من دبلوم متوسط مدته سنتان، وصولا إلى الشهادة الجامعية الأولى بهدف تلبية المعايير الجديدة التي وضعتها الحكومة الأردنية والسلطة الوطنية الفلسطينية. أما برنامج التدريب قبل الخدمة فيهدف إلى ضمان وجود عدد كاف من المعلمين المؤهلين من أجل مدارس الأونروا والأنظمة المدرسية الأخرى في المنطقة. وفي عام 1993، تم رفع سوية برنامج العامين تدريب المعلمين قبل الخدمة في الأردن والضفة الغربية ليصبح برنامجا جامعيا مدته أربع سنوات يؤدي في نهاية المطاف إلى الحصول على الشهادة الجامعية الأولى. ويوجد في كليات العلوم التربوية في عمان (الأردن) ورام الله (الضفة الغربية) ما يقارب من 1,630 طالبا ومعلما كل عام. في لبنان، تواجه الأونروا صعوبات في توظيف معلمين مؤهلين بسبب نقص المعلمين المدربين.

ومن أجل معالجة ذلك، قامت الوكالة باستحداث دبلوم تدريبي مدته عامان. وفي كل سنة، يتم تدريب 100 طالب على كيفية تدريس الصفوف الثلاثة الأولى من المرحلة الابتدائية.  

أزمة متجددة

وقد كان للمساعدات التي قدمها المانحون السبب في تمكين الأونروا من إحراز تقدم ملموس في بناء قدرتها الإدارية والتشغيلية في 2020، وتفاقمت المشاكل المالية للوكالة بعدما أعلنت الولايات المتحدة في آب/أغسطس 2018 أنها ستتوقف عن تمويل الأونروا، بعد أن كانت ترفدها بما يزيد على 300 مليون دولار سنويًا. وبالرغم من أن أطرافًا أخرى، كالاتحاد الأوروبي وقطر واليابان، قدمت دعمًا جديدًا أو زادت دعمها لأجل سدّ الفجوة، إلا أن الوكالة لا تزال تعاني نقصَ التمويل، وبالتالي باتت الخدمات الأساسية التي تقدمها تعاني نقصًا كارثيًا في المخصصات.

وفي العام 2020 واجهت الأونروا أزمة مزدوجة بحجم غير مسبوق. فعلى خلفية الاضطراب الإقليمي والسياسي والاقتصادي المستمر، تعاملت الوكالة مع أقسى عجز مالي في تاريخها. وتضاءلت المساهمات التعويضية لبعض الدول بعد انتشار فيروس كورونا الذي ألحق خسائر مالية بالدول المانحة. ونظرا لانعكاسات الأزمة على اللاجئين الفلسطينيين الذين يعيش قسم كبير منهم تحت خط الفقر، أطلقت الأونروا نداءها العاجل الأول بشأن كوفيد-19 في 17 آذار/مارس، سعياً لتأمين 14.1 مليون دولار أميركي للاستجابة للآثار الصحية المباشرة للجائحة. ومع تزايد وضوح الآثار الاجتماعية الاقتصادية عملت الوكالة على دراسة توسيع نطاق استجابتها لتشمل المساعدات النقدية والغذائية للفئات السكانية الأشد ضعفاً. وأعلنت في نداء معدل حل محل النداء الأصلي الصادر في 17 آذار/مارس 2020. عن حاجتها إلى 93.4 مليون دولار أميركي لتغطية عملياتها الإنسانية المتعلقة بكوفيد-19 في الفترة من آذار/مارس إلى تموز/يوليو.

ومن أجل ضمان استمرار التعليم إلى أقصى حد ممكن لصالح 533342 طالبا وطالبة مسجلين في مدارس الأونروا و8270 شاباً وشابة في مراكز التعليم والتدريب التقني والمهني، قامت الأونروا بإعادة صياغة مفهومها لنهج التعليم في حالات الطوارئ، والذي تم تطويره على مدى السنوات التسع الماضية استجابة للصراعات في سورية وغزة، وذلك بقصد مواجهة التحديات الخاصة بأزمة كوفيد-19.

لكن ذلك اصطدم بأزمتها المالية المتجددة. وعانى قطاع تعليم الأونروا من نقص المباني التي تعمل عليها معظم مدارس الأونروا على أساس الفترتين لكل من الأطفال والمعلمين، ومن صفوف مكتظة، ووسائل ترميم المباني والأثاث غير متوفرة. مع افتقاد المعلمين للأمن الوظيفي. وقامت الوكالة بسحب الزيادات الممنوحة لموظفيها، في قطاعات مختلفة، ووضع الآلاف منهم في إجازات بدون راتب لعدة أشهر، وإيقاف الموظفين العاملين على نظام العقود والمياومة، وغيرها من قرارات مجحفة وظالمة. وبدأ مئات الآلاف من اللاجئين يلحظون تراجعا حادا في خدمات الأونروا الأساسية وفي الدعم المالي المقدم من عيادات ومراكز وكالة الغوث المنتشرة في المخيمات.  

خاتمة

إلى جانب أزمتها المالية تعاني الوكالة من أزمة وجودية تتمثل في استمرار عملها في ظل محاولات البعض إنهاء وجودها وتصفية خدماتها المقدمة للاجئين الفلسطينيين عبر تجفيف متعمد لمواردها تمهيدا لتصفية حق العودة لهؤلاء اللاجئين والتخلص من الشاهد الدولي الوحيد على مأساة ملايين اللاجئين الفلسطينيين. وحقوقهم السياسية والقانونية والتاريخية المشروعة وعلى مسؤولية الأمم المتحدة الثابتة عن القضية الفلسطينية.

إن القصور في عمل الأونروا هو جزء من مشكلة أكبر ناجمة عن سوء إدارة الأمم المتحدة والمجتمع الدولي للقضية الفلسطينية، طالما ظلّت الفجوة قائمة ما بين متطلبات القانون الدولي ومواقف الأمم المتحدة بقيادة مجلس الأمن الدولي، وتقاعسه عن فرض قرارات الشرعية الدولية التي تحقق العدالة للاجئين الفلسطينيين. أما فيما يخص نظام التعليم الفلسطيني الذي أشرفت عليه الأونروا طوال عقود، فقد أسهم في تكوين الوعي الوطني للفلسطينيين، وفي تكوين بناء طبقة وسطى مهنية في فلسطين وفي الشتات.

وفي الستينيات والسبعينيات كان حوالي ثلث القوى العاملة الفلسطينية من الذكور تعمل في الخليج، وكان ذلك ضروريا لتحسين مستويات المعيشة في ظل الاحتلال واللجوء في المخيمات، ولكن يبدو أن التعليم لم يعد يقدم للفلسطينيين الخلاص من الناحية السياسية، بعد أن تركت عملية "أوسلو" اللاجئين في طي النسيان حتى مفاوضات الوضع النهائي المؤجلة إلى ما لا نهاية، وتبدو اليوم فاعليته محدودة في التنمية الاجتماعية والاقتصادية لأن أسواق العمل المحلية والإقليمية لم تعد توفر الفرص كما كانت متاحة في الستينيات والسبعينيات وحتى الثمانينيات، وبدا مزيد من الشبان يتساءلون عن قيمة الاستثمار في سنوات من التعليم، مع عمالة محلية فقيرة في السوق، وتميل الهجرة إلى أن تصبح حلما لكثيرين منهم مع قصص نجاح لمهاجرين لم يتلقوا تعليما رسميا.

وإن وجد اللاجئون فيما مضى فضاء اقتصاديا في البلدان التي يعيشون فيها، توافق معها نوع التدريب المهني الذي تقدمه الأونروا أو مع طلب سوق العمل الخليجية، فإنه ومنذ أواخر الثمانينيات لم يعد التدريب الذي تقدمه الوكالة يتيح تأمين فرص عمل مناسبة في ظل كساد أسواق العمل في الشتات، ولم يعد أكثر تنافسية أيضا أمام العمالة الآسيوية الأرخص ثمناً في أسواق العمل الخليجية. لا تزال على ما يبدو خطط الأونروا بحاجة ماسة إلى تكييف التعليم مع الوضع الاقتصادي المتغير في بداية هذا القرن الجديد.