المؤتمرات ليست فقط انتخابات



إنَّ إنعقاد المؤتمرات الحركية بشكل دوري ومنتظم هو قرار حركي مُثبَّت في النظام الداخلي، وهو استحقاق تنظيمي مُلزم للجميع. ولا يجوز تأخيره إلاَّ إذا كانت هناك ظروف أمنية خطيرة تعيقُ إنعقاده في الوقت المحدَّد، وإذا لم تكن هناك مبررات مُجمع عليها من الأُطر القيادية العليا، فمن حق الأطر القاعدية أن ترفع الصوت لأن فرض تأجيل المؤتمرات يكون خدمة للقيادة الراهنة على المستوى المقصود، والتي لها مصلحة في التأجيل لأنها تخشى من النتائج المتوقعة في الانتخابات بسبب الأداء السلبي الذي كان في الدورة السابقة. 

إنَّ عقد المؤتمرات الحركية في الأوقات المحددة حسب النظام الداخلي له أهدافُه الجوهرية المتفق عليها،  والمنصوص عليها، والتي هي الضمانة التي تكفل سلامة مسيرة الحركة، وسلامة هيكلتها كجسم متماسك ومتجانس. 

لا شك أن عقد المؤتمرات حسب النظام الداخلي له أهدافه التي لا يمكن الاستغناء عنها، أو تغييبها وهي:  

أولاً: أن يتم تحديد أعضاء المؤتمر حسب النظام، وأن تتم دعوتهم جميعاً لحضور المؤتمر. 

ثانياً: لا بد من قيام لجنة المتابعة التنظيمية بنشر الثقافة المطلوبة لتوعية الكوادر وخاصة أعضاء المؤتمرات حتى يعرفوا ما هي حقوقهم، وما هي واجباتهم في مثل هذه المؤتمرات، والأهم معرفة الأهداف التي نريدها من مثل هذه المؤتمرات. 

نقول ذلك لأنَّ البعض يريد اختزال الموضوع بالانتخابات، وتمارس الضغوطات على بعض الكوادر بأن ينتخب فلاناً وليس فلاناً، وإذا انتخب فلاناً فسيكون حظهُ سعيداً وسيحصل على ما يريد، لأنه قادر على أخذ القرارات وتحقيق الرغبات فهو مدعوم ومتمكِّن، وعلاقاتُه جيدة مع أصحاب القرار، وطلبُه لا يُرد، والدنيا مصالح.  

ثالثاً: إنَّ المحاور ومراكز القوى ذات النفوذ تمارس دوراً تحريضياً مع فلان وضد فلان، وعلى أرضية أنتخب فلاناً ولا تنتخب فلاناً، وفلان هو الذي يؤمن لك احتياجاتك المالية، والإدارية، وطموحاتك على صعيد الرتبة والراتب، والمرتبة التنظيمية، وهذه فرصة لا تتكرر. 

رابعاً: للأسف فإن المفاضلة بين فلان وفلان لا تكون مبنية على أسس ثورية، ووطنية، ولا على أساس من هو الأقدر على التعبئة الفكرية، أو الوعي السياسي، أو المندفع جماهيرياً في العمل الميداني، أو من هو الملتزم بتعليمات وأوامر الحركة، أو من هو الحريص أكثر على متابعة عقد الاجتماعات الحركية التنظيمية، أو النقابية، أو من هو الأقدر على حل المشاكل الاجتماعية والعائلية، أو من هو الأقدر على استقطاب الشباب أو الأخوات، أو الطلاب والطالبات. ولكن من المؤسف أن التحريض في عملية الانتخابات يكون على أساس هل أنت معنا أو معهم؟ وعليك أن تحسم أمرَك قبل فوات الأوان. فالمصالح الشخصية والمحورية هنا هي الأساس وهي الجوهر، وليس الانتماء الحقيقي لحركة فتح، الذي يجب أن يكون هو الأول والآخر، وهو الأهم والأبرز، وهو قبل الانتماء للعشيرة والبلدة، أو للقائد الفلاني، أو الزعيم العلاني، فكل هؤلاء لا شيء أمام الانتماء لحركة فتح الرائدة صاحبة التاريخ المشرِّف، والتي يجب أن يكون انتماؤنا إليها خالصاً لوجه الله، ومُنطلقاً  من عمق انتمائنا لفلسطين والقدس، وليس لأشخاص معينين مهما علت مراتبهم، لأنَّ الأنجح، والأقدر والأعزَّ على قلوبنا، والذي يسكن وجدانَنا هو الذي يعطي ولا يأخذ، وهو الذي يتواضع لكسب رضا شعبه، وهو الذي يسهر ويتعب، وهو الذي يُصلح، ولا يزرعُ الأحقاد، وهو الذي لا يعيش على التناقضات، وهو الذي لا ينام ولا تغمضُ عيناهُ، وأبناء حركته مختلفون، فهو جزءٌ منهم لأنهم جسدٌ واحد إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائرُ الأعضاء بالسهرِ والحَّمى. فالانتماء محبَّه ووفاء، ومصداقية وعطاء. 

خامساً: إنَّ المنطق التنظيمي الثوري الأصيل يفرض على أعضاء القيادة سواء أَكانت المنطقة أم الإقليم، وعندما تكون أمام استحقاق عقد المؤتمر عليها أن تؤدي وتنفذ برنامجاً مشتركاً موحَّداً للتمهيد لعقد المؤتمر، ومن هذه الخطوات الميدانية التنظيمية المطلوبة: 

أ- دعوة الكادر الأساسي أي أعضاء الشعب، ومسؤولي الاتحادات والمكاتب الحركية إلى اجتماع لوضعهم بصورة آخر التطورات، والتحديات، والتعليمات، وفتح باب الحوار والنقاش معهم بوجود أعضاء المنطقة والإجابة على أسئلتهم، وانتقاداتهم مهما كانت قاسية وتسجيل هذه الملاحظات النقدية، أو الاقتراحات العملية التنظيمية للمعالجة، وتقييم التجربة السابقة خلال السنتين السابقتين بشكل موضوعي، وبعد النقاش والحوار المستفيض تُوثَّق هذه الأفكار بعد عرضها في اجتماع موسَّع لمسؤولي الأجنحة، وأعضاء المكاتب الحركية، والعاملين في اللجان الشعبية وما ترتئيه قيادة المنطقة لوضعهم بالصورة، والاستماع إلى وجهات نظرهم وملاحظاتهم، ثم يتم رفع هذه المذكَّرة الشاملة إلى المؤتمر والتي تعتبر في هذه الحالة برنامج عمل إيجابي وناضج يمثل وجهة نظر المنطقة. 

وهذا أفضل من أن نصرف وقتنا في التحريض على فلان وفلان. وحتى لو كانت هذه الوثيقة تحمل أكثر من وجهة نظر فهذا إغناء للفكرة، والمؤتمر هو الذي يختار. 

سادساً: إنَّ حقَّ الانتخاب هو حقٌّ مقدَّس، وسري حتى يعبِّر فيه عن قناعاته التي تكوَّنت خلال السنوات السابقة من خبراته، ويجب على القيادة ورئاسة المؤتمر أن تضمن حرية التعبير، والاختيار، والترشُّح لكل عضو من أعضاء المؤتمر، فمن حق أي عضو في المؤتمر أن يرشِّح نفسه، ولا أحد يستطيع منعه، طالما تمت الموافقة على عضويته. فمن حق اللجنة السابقة التي قادت العمل أن ترشِّح نفسها وقدراتها أصبحت معروفة لدى الجميع، ومن حق الآخرين الذين لديهم طموحات أن يرشِّحوا أنفسهم طالما هم مستعدون للتضحية. ومن حق المؤتمر أن يختار قيادته الجديدة بعيداً عن أية ضغوطات أو تهديدات. ومن يفوز بشكل شرعي فواجب الجميع أن يتعاون معه إذا كان صادقاً في عمله وسلوكه، وإذا أخطأ فمن واجب الإطار أن يحاسبه، وأن يأخذ بحقه الإجراءات التنظيمية. 

سابعاً: إنَّ المؤتمرات بشكل عام الحزبية والتنظيمية تحمل ثلاث قضايا بارزة: 

 أ: جردة حساب ومحاسبة حول مسيرة السنوات ما بين آخر مؤتمر، والمؤتمر الحالي. 

 ب: إعتماد برنامج عمل جديد مستفيدين من تجربتنا السابقة، ومن التوصيات والقرارات الجديدة. ثالثاً: اختيار القيادة الجديدة بعد النقاشات المطوَّلة، وبعد الانتخابات الديمقراطية والنزيهة. 

خلال مجريات الأمور في المؤتمر علينا إذا كنا صادقين مع أنفسنا، ومع حركتنا، وإذا كنا حريصين على مسيرتها واستمراريتها أن نتمتع بالجرأة والصراحة أثناء نقاش القضايا الجوهرية والمصيرية، وأن نوجِّه الأسئلة الموضوعية والجدية لمعرفة الحقائق، ونضع حداً للتفكير العبثي، وأن نقدِّم اقتراحاتنا بوضوح وصراحة ونضع النقاط على الحروف لإنقاذ الحركة من المآزق التي تعيشها، وهذا لا شك يعني إعطاء الحركة الكاملة والفرصة لكل كادر وقائد بأن يناقش الأمور بعمق، وأن يطرح أسئلته، وأن يصر على معرفة الأجوبة، وعلى اعتماد منهجية جديدة، وخطط جديدة إذا كانت هناك ضرورة لمواجهة العقبات والأزمات. 

ثامناً: نجد الكثيرين لديهم أفكار وآراء جوهرية، ولديهم وجهات نظر صائبة، لكنهم حريصون على أن لا يصطدموا مع هذا أو ذلك من القيادات، خاصة أن بعض القيادات لا يتقبلون النقد لأنه مُحرج. 

ومن أجل ذلك يخشون من ردات الفعل عليهم، أو الانتقام بشكل أو بآخر منهم. وهذه الظاهرة بغض النظر عن حجمها وعن أسلوبها، فإِن وجودها أسبابُه غياب حماية العضوية، وحقوق العضوية بالشكل المطلوب، الذي يُقدِّم الطُمأنينة للكادر الفتحاوي كي يكون جريئاً في تحمُّل المسؤولية، والتعبير عن رأيه دون خوف على عضويته، أو راتبه. 

تاسعاً: إنَّ التربية الوطنية والتنظيمية والإسلامية تفرض علينا الالتزامَ بمبادئ أخلاقية اجتماعية ومنها في مجال هذه المقالة أنه يجوز للكادر أن يدعو زملاءه لانتخابه شخصياً وأنه يمتلك برنامجاً سيعمل على تحقيقه. ولكن ليس من حقه، ولا يجوز أخلاقياً، أن يدعو زملاءه لانتخابه، وفي الوقت نفسه يطلب منهم عدم انتخاب فلان أو فلان، والتحريض على هؤلاء بأبشع الأوصاف، والدعوة إلى إسقاطهم ضمن حسابات انتخابية شخصية ومحورية وعشائرية، وليس انتخابات تنظيمية ثورية، لأنَّ الترويج لمثل هذا الأسلوب يجعل العربَ عربين، ويقسم الصف بشكل عدائي، وتنتشر الكراهية، والحساسيات الشخصية والعائلية، وينشط أسلوب الانتقام، وكل واحد يحفر للآخر، وقد نجد عدداً من الأخوة المخلصين وأبناء الحركة ولهم تاريخهم، ولكنهم أُخرجوا من اللوائح بسبب الحسابات الشخصية، والتكتلات العشائرية، أو الجهوية، ويكون هناك ضحايا كُثُر، لأن المقاييس والقوانين التنظيمية والمبادئ الأخلاقية غابت، وأصبحت المعركة داخل التنظيم الواحد، وليست بين التنظيم الواحد من جهة والعدو من جهة ثانية. وتدفع حركة فتح الثمن الباهظ، وتحتاج إلى فترة زمنية طويلة وجهود مكثَّفة لترميم الدمار والتخريب الذي حصل. 

عاشراً: إنَّ حركة فتح تمرُّ في مرحلة صعبة وحسَّاسة ومعقَّدة، فلنجنِّدْ أنفسنا في خدمتها، لا أن نستثمرها في تلبية رغباتنا الفئوية، وبالتالي نستنزفها ونضعفها بسبب انشغالنا في أمور هامشية، وتجاهل القضايا الجوهرية التي تطرقُ أبوابنا، وتدقُّ مسامعنا، ونحن نخشى مواجهةَ الحقائق لأننا إستمرأنا اللهوَ على الشواطئ، ولم نتجرأ على الإبحار في العمق لقيادة المركب الذي ينتظر يقظتنا، والذي يحنُّ إلى عظمائنا، وهو لا زال يصرخُ بوجهنا: أُخرجوا من عجزكم! طلِّقوا مكاسبكم! إبحثوا عن عظمة تاريخكم في وجوه شهدائكم! تمردوا على سلاسل إحباطكم، ويأسكم، وضياعكم قبل أن يأتي المساء، ويعمَّ الظلام! 

يا أبناء الفتح تذكَّروا أن فتح قد اختارتكم، ونمت وكبرت في أحضانكم، وأصبحت الرقمَ الصعبَ بعنفوان قياداتكم وشهدائكم. فأخلصوا الودَّ والوفاء لها، فحصِّنوها واحتضنوها، وضحوا من أجل بقائها حتى تضمنوا بقاءَها، هي جعلت منكم ثورة القرن العشرين فاجعلوا منها رمز التحرير والعودة إلى فلسطين. 

هذه رسالتي بأمانة، ونحن على أبواب المؤتمرات، ورحمَ اللهُ   الشهداء.  

وانها لثورة حتى النصر 

الحاج رفعت شناعة  

عضو المجلس الثوري 

18/1/2021