اسرائيل تقضي على المنظمات الدوليّة بدعم اميركي وغربي

 

"من اجل عينيك فقط" كان عنوان احد افلام الجاسوس الشهير جايمس بوند، الذي يخرق القوانين ويفعل ما يشاء باسم العدالة والحق. ولم اجد افضل من هذه الجملة لوصف مدى الاستنسابية والعمى الذي يضرب الولايات المتحدة الاميركية والغرب عندما يتعلّق الامر باسرائيل. لم افهم يوماً هذه العقدة التي تم تكريسها كأمر واقع، وهو انه يمكن لاسرائيل القيام بما تشتهي وتخرق ما تريده من القوانين والاعراف الانسانية دون سواها، من دون ان تُسأل ولو مجرد سؤال عن تصرفاتها.

وبعد ان قضت اسرائيل على الامم المتحدة وميثاقها وقراراتها، وبعد ان استهدفت عناصرها ومؤسساتها، ها هي اليوم المحكمة الجنائية الدولية تتعرض لاشرس حملة ضدها بسبب طلب المدعي العام فيها اصدار مذكرات توقيف بحق رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع يوآف غالانت، وتحوّلت هذه المحكمة من ملاذ ومطلب دولي، الى مجرمة مدانة يجب القضاء عليها. واللافت ان الادانة لم تقتصر على الاسرائيليين، بل عمّت العالم اجمع، لان نتنياهو وكل اركان حكومته اصبحوا قديسين منزّهين عن اي عيب، لم يرتكبوا سوى الصالحات بحق الناس، واذا بالمحكمة تتهمهم جزافاً بأمور لم يعهدوا القيام بها.


عملياً، قال الاميركيون والدول الغربية للمحكمة عن طلب المدعي العام فيها: "بلّوها واشربوا ميّتها" وهو تعبير عاميّ لبناني مشهور، زادت شهرته بعد ان قاله النائب محمد رعد عن اعلان بعبدا الذي كان عرّابه رئيس الجمهورية السابق العماد ميشال سليمان. اي بمعنى آخر، فإن المذكرات، في حال صدرت، لن تجد من ينفذها وستكون بمثابة "ديكور" في هذه المحكمة، وسيتنقّل الواردة اسماؤهم فيها من الاسرائيليين، بحريّة ومن دون ايّ قلق او خوف من اعتقالهم في اي بلد حلّوا فيه. ولكن، ما غفل عن الغربيين "العظماء"، هو ان المذكرات ايضاً ستلحظ اسماء شخصيات من حركة "حماس"، فهل سيتمّ اغفال اعتقالهم ايضاً؟ بالطبع لا، لان الحملة عليهم ستكون مشدّدة وستتفق الآراء على انّ هذه المذكرات يجب تنفيذها بشكل تام بالشق المتعلق بالفلسطينيين فقط، فيما يجب اهمال الشق المتعلق بالاسرائيليين. ولتفريغ المحكمة من عدالتها، لم يكن الاعتراض على "الظلم" بالاتهامات الموجّهة الى المسؤولين الاسرائيليين، بل كان السخط كلّه موجّهاً نحو "الوقاحة" التي تحلّى بها المدعي العام بمساواته بين المسؤولين الاسرائيليين ومسؤولي حركة "حماس"، لان الاخيرين "وحوش" (اي لا ينتمون الى الانسانية بصلة)، فيما نتنياهو وغالانت ورفاقهم هم مثال للانسانية ولم تتلطّخ ايديهم بأي مجازر او ابادة جماعية بحق اطفال وشيوخ ونساء، في اصدق تعبير عن العنصرية وسيئاتها.
الخطورة في ما يفعله الاميركيون والغربيون اليوم، هو انه بعد تقويض الامم المتحدة، لن يكون هناك اي وزن للمحكمة الجنائية الدولية وقراراتها، وستكون مجرد ضحية جديدة على لائحة ضحايا اسرائيل، "من اجل عيون الاسرائيليين فقط"، وستحل الاستنسابية مكان العدالة، والعنصريّة مكان الحيادية، وستختار الدول اي قرارات ستنفّذ واي قرارات ستتجاهلها، كلّ ذلك في سبيل المصلحة العامة وتطوّر الانسان!.

ما يسرّ الغربيون اليوم، سيتحوّل في المستقبل الى لعنة عليهم، فمع المسار الذي تنتهجه روسيا ومعها الصين وبعض الدول المؤثرة، للانشقاق عن النظام العالمي المتّبع منذ عقود من الزمن، سنجد انفسنا سريعاً امام نظام عالمي جديد رديف، حيث قد تطبّق قواعد معيّنة في نصف الكرة الارضيّة، وقواعد اخرى في النصف الباقي منها، فتكون اسرائيل بذلك احد الاسباب الرئيسيّة لانهيار النظام العالمي الذي عرفناه وشهدناه وطالبنا بتغييره، انما نحو الافضل، فإذا به يتغيّر نحو الاسوأ، في سبيل الدفاع عن فكرة سخيفة هي تفوّق اسرائيل على العالم.
ويسألون بعد: لماذا هذا النفور من اسرائيل؟.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق