المديرة الألمانية تمنع التضامن مع غزة: تطهير سياسي في «أونروا»


 ابراهيم الأمين - فاتن الحاج - الأخبار

تجتاح العواصم الغربية الداعمة لإسرائيل جميع المؤسسات التابعة للأمم المتحدة المعنية بتقديم الدعم الإنساني للشعب الفلسطيني داخل فلسطين وخارجها. وجاءت الحملة المركّزة على وكالة غوث اللاجئين الفلسطينيين وتشغيلهم (أونروا) في سياق محاولات إقفال الوكالة التي تعتبرها إسرائيل رمزاً لاستمرار قضية اللاجئين حيّة في العالم. فقد لجأ العدو الى فبركة أخبار ومعلومات عن تورط موظفين في «أونروا» في أعمال عسكرية ضد قوات الاحتلال، سواء في عملية «طوفان الأقصى» في السابع من تشرين الأول الماضي، أو في الحديث عن سماح الوكالة لفصائل المقاومة في قطاع غزة باستخدام مقارّها لأغراض عسكرية، وعن وجود أنفاق تحت مقارّ الوكالة، وهي الحملة التي سهّلت قراراً تسعى إليه حكومات الغرب منذ وقت طويل لقطع التمويل عن الوكالة تمهيداً لشطبها.

في لبنان، لطالما واجه العاملون في الوكالة مشكلات إدارية. لكن الحملة الجديدة أخذت بعداً مختلفاً بعد تولّي الألمانية دوروثي كلاوس إدارة «أونروا» في لبنان في شباط 2023. وعملت كلاوس في مناصب عدة في الوكالة في الأردن وفلسطين، ويُنظر إليها كخبيرة في الشأن الفلسطيني (أطروحتها للدكتوراه كانت بعنوان «اللاجئون الفلسطينيون في لبنان - إلى أين ينتمون؟»، وجاءت بعد دراسات كثيرة أجرتها كلاوس بين اللاجئين الفلسطينيين في لبنان بين عامَي 1996 و1999).

لكن، بخلاف ما كان متوقعاً منها كخبيرة في شؤون اللاجئين وعلى اطّلاع على القهر الذي يتعرض له اللاجئون في لبنان والعالم عموماً، أظهرت كلاوس خلال عام إدارتها انحيازاً واضحاً للسياسات الغربية القاضية بالعمل على إلغاء فكرة المقاومة من عقول اللاجئين، فيما أخذ نشاطها لتحسين أوضاع اللاجئين في لبنان بعداً سياسياً داعماً لتوطينهم من خلال الحثّ على منحهم كل حقوق المقيم في لبنان.

ومنذ توليها منصبها، تقوم المسؤولة الألمانية، شأنها شأن كل السفراء الأجانب، بجولات دائمة على جميع المسؤولين، حتى يكاد لم يبق مسؤول إلا زارته علناً أو بعيداً من الأضواء، بمن فيهم حزب الله. وتلفت جهات خبيرة في عمل المندوبين الأجانب في لبنان إلى أن السفارة الألمانية في بيروت تمارس «وصاية» على كلاوس التي تلتقي، دورياً، السفير الألماني وموظفي السفارة في بيروت، بحجة أنهم «يقدّمون العون في معالجة مشكلات تواجه حلفاء من المجتمع المدني».

عد اندلاع الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، التزمت المسؤولة الألمانية، شخصياً، الموقف السياسي المتضامن مع إسرائيل. وقادت حملة تحت عنوان «إنقاذ الأونروا» من خلال تبنّي سياسات التطهير السياسي داخل الوكالة، والسعي الى إقالة أو استقالة أيّ موظف «لا يمتثل لشروط الصمت السياسي»، علماً أنها تعرف أن العاملين في الوكالة، وغالبيّتهم الساحقة من الفلسطينيين، معنيّون بحرب الإبادة التي تشنّ ضد غزة. كذلك استغلت الحملة الإسرائيلية للقيام بخطوات تستهدف إسقاط أي نشاط أو موقف أو سياسة تعارض التوجهات الغربية، عدا عن كونها تتحدث دائماً عن إجراءات احتياطية تقوم بها، نتيجة معطيات تردها عن أن العدو بصدد شن حرب كبيرة على لبنان، وأنها تريد تجنيب مراكز الأونروا في المخيمات أو خارجها ما يحصل في غزة. ودرست خطة لاستثمار مقارّ جديدة في مناطق تعتبرها «خارج نطاق عمل الجيش الإسرائيلي» في حالة الحرب.

وإزاء المهمة إياها، حاولت المسؤولة الألمانية الإمساك بكل مفاصل العمل الإداري، وانتقلت للعمل في أوساط المعلمين في مدارس الأونروا. وهي تنطلق من كون غالبية الناشطين في الاتحاد أو من فازوا بإدارته، ليسوا من تنظيمات منظمة التحرير الفلسطينية وليسوا تابعين بصورة خاصة لحركة فتح. وصارت تتفاعل مع «معطيات أمنية» وأخرى «ذات بعد سياسي»، تفيد بأن هؤلاء المعلمين يدعمون حركة حماس ويشاركون في أنشطة تدعم تحرير فلسطين، ويعملون على إظهار موقفهم خلال عملهم أيضاً، وقد دفعت كلاوس إلى إجراء تحقيقات مع عدد غير قليل من هؤلاء للوقوف على «حقيقة انخراطهم في أنشطة تتضارب مع العمل في الأونروا».

أبرز الخطوات تمثّلت في الحملة على المربّي فتحي الشريف، رئيس قطاع اتحاد المعلمين في الوكالة، الذي شنّت كلاوس حملة ضده بصورة شخصية، وحاولت حمله على الاستقالة من منصبه، وتواصلت مع عدد كبير من القوى السياسية اللبنانية وجهات فلسطينية لتحقيق هذا الهدف. وبعد رفضه الامتثال للقرار، طلبت من المفوض العام للوكالة فيليب لازاريني التصرف، فأصدر الأخير قراراً بتوقيف الشريف عن العمل لثلاثة أشهر من دون راتب، قابلة للتجديد، وطلب إليه تسليم كل المتعلّقات، وإخضاعه للتحقيق على خلفية اتهامات، منها:

أولاً: خرق مبدأ الحيادية من خلال الانتماء الفكري والسياسي لحركة حماس وشغل منصب قيادي رفيع فيها.
ثانياً: السفر إلى الخارج، ولا سيما تركيا من دون الحصول على إذن من الإدارة واللقاء بقيادات كبيرة في الحركة (علماً أن الزيارة تمّت لأسباب عائلية بحتة، وهناك أدلة دامغة ووثائق مثبتة في هذا المجال).
ثالثاً: القيام بأنشطة مساندة لغزة وفلسطين
في معرض شرحها سبب الإجراء، قالت كلاوس إن للبلدان المانحة التي توفر التمويل لـ«أونروا» ملاحظات، و«هي تريد تفسيرات وخطوات تؤكد عدم وجود عناصر من حركة حماس» في الوكالة. وبعد التدقيق، أقرّت كلاوس نفسها بأن السفارات المعنية في لبنان تحدثت عن «وجود تقارير أمنية حول قيام بعض الموظفين، ومنهم الشريف، بعمل سياسي وتنظيمي، وأنه يزور تركيا لعقد اجتماعات مع قيادة حركة حماس هناك».
وتبيّن لمصادر لبنانية متابعة للملف أن سفارات الولايات المتحدة وألمانيا وفرنسا وبريطانيا تركّز على الملف الأمني الفلسطيني، وتطلب المعطيات من جهات لبنانية سياسية وأمنية ورسمية، وتستعين بمنظمات غير حكومية (تموّلها هذه السفارات) لجمع معلومات عن الأنشطة التي يقوم بها موظفون في الوكالة خارج دوامهم الرسمي، بما في ذلك أيّ أنشطة ثقافية ورياضية واجتماعية، مع تركيز على جمع بيانات حول كل ما يقوم به هؤلاء منذ معركة طوفان الأقصى، سواء لجهة تنظيم وقفات احتجاجية أو مسيرات تضامنية مع غزة، أو الدعوة الى دعم المقاومة الفلسطينية، وكذلك رصد منشوراتهم على صفحات التواصل الاجتماعي.
وكما في كل ملف فلسطيني داخلي، تتعاون إدارة «أونروا» مع الجهات الأمنية التابعة لسلطة رام الله وممثلها في السفارة الفلسطينية في بيروت، وتنسّق معه المعلومات، وخصوصاً بما يتعلّق باتحاد المعلمين، وهو الملف الأكثر سخونة، بعدما أدت الانتخابات في الاتحاد الى سقوط مرشحي معظم فصائل منظمة التحرير الفلسطينية وخصوصاً حركة فتح. ويتّهم «رجال رام الله» في بيروت المستقلين الذين فازوا بالانتخابات بأنهم «أعضاء سريّون» في حركة حماس، ويتحدثون عن صلات قربى لبعضهم مع مسؤولين في الحركة. وهو ما استخدمته كلاوس في محاولة إبعاد هؤلاء، ووصل الأمر بها في إحدى المقابلات الى مخاطبة موظف بارز في الوكالة بالقول: «عليك أن تختار بين عملك في أونروا وبين تحرير فلسطين»!

وفي محاولة منها لتوفير تغطية لبنانية لهذا القرار، تواصلت كلاوس مع مدير المخابرات في الجيش اللبناني العميد طوني قهوجي، والمدير العام للأمن العام بالإنابة اللواء إلياس البيسري، وقيادة قوى الأمن الداخلي لإبلاغهم أن الضغوط التي تتعرض لها الوكالة تفرض عليها إجراءات بحق موظفين تربطهم علاقات سياسية وعملية مع قوى المقاومة.

وفي معرض البحث، لجأت كلاوس الى حزب الله أيضاً، وعقدت اجتماعين مع مسؤول العلاقات الدولية في الحزب النائب السابق عمار الموسوي الذي أوضح لها أن الحزب ليس معنياً بأن يطلب من أحد تغيير خطابه أو سلوكه، كما أن لا صلة للحزب بعمل الوكالة الداخلي. وكل ما فعله الحزب بعد الاجتماع، هو إطلاع ممثل حركة حماس في لبنان أحمد عبد الهادي على فحوى الاجتماع، وأبلغه أن كلاوس ناقشت ملف المربي الشريف وأنها تريد منه الاستقالة.
لكن كلاوس عمدت الى تحوير موقف الحزب، وأشاعت داخل الأونروا أنها أقنعت حزب الله بوجهة نظرها، وطلبت منه التوسط لدى حماس والشريف لإقناعه بالاستقالة مقابل تعويض مالي كبير، وأوحت بأن الحزب يتفهّم موقفها، الأمر الذي ينفيه الأخير بصورة قاطعة.
كما حاولت الأمر نفسه مع الحزب التقدمي الاشتراكي الذي بادر مسؤولون فيه الى التواصل مع قيادة حركة حماس، موضحين أنهم غير معنيّين بإجراءات كلاوس، وأنهم على اقتناع بأن الموضوع سياسي ويستهدف مشروع المقاومة وقالوا لحماس: «نحن معكم».

على قاعدة الابتزاز نفسها التي يعتمدها عدد من المنظمات غير الحكومية لجمع داتا لأغراض لا تتصل فقط بعملها، فرضت المديرة الجديدة لوكالة «أونروا» دوروثي كلاوس إجراءات ومقررات، وعملت على تأمين تمويل من حكومة بلادها لتنفيذ مشاريع يرجّح أبناء المخيمات أن هدفها اختراق مجتمع اللاجئين الفلسطينيين من خلال:
- مشروع بصمة العين للاجئين الفلسطينيين في الأقطار الخمسة: غزة، الضفة، الأردن، سوريا ولبنان.
- مشروع نقل بيانات ووثائق اللاجئين الفلسطينيين في لبنان من مقر الأونروا في بيروت إلى مقر الإسكوا في وسط المدينة في بيروت، والمشروع هو توثيق وتتبع شجرة العائلات الفلسطينية منذ عام 1948 حتى اليوم.
- مشروع تطبيق الـ e-unrwa وهو الأكثر خطورة والذي أجبرت فيه اللاجئين الفلسطينيين على التسجيل في البرامج الإغاثية للأونروا في لبنان عن طريق الهواتف الذكية وشيفرة ال QR، التي تعطي بموجبها للأونروا الحق بالدخول إلى جميع البيانات المتوفرة في هواتف اللاجئين في لبنان.
- شطب العديد من الوظائف ورفض اعتماد وتسجيل أيّ حالات جديدة، وعدم الاهتمام بالمنازل الآيلة إلى السقوط، وتراجع التغطية في المجال الصحي.
- وقف كل أنواع الخدمات الإنمائية للاجئين الفلسطينيين في منطقة الجنوب اللبناني (صيدا وصور)، منها مشروع تفوق كلفته نصف مليون دولار يسمى بالـ Digital Hub، ورفض توسعة إحدى مدارس منطقة صيدا رغم توفر الأموال لهذا المشروع والحاجة الملحة جداً لتنفيذه.

يتولى رئيس لجنة الحوار اللبناني – الفلسطيني باسل الحسن مهمة «الراعي الرسمي» لدوروثي كلاوس. وهو، شخصياً، معروف بسعيه الى بناء شبكة علاقات واسعة تخص ملفه، لكنه يستخدمها في أغراض أخرى. وبسبب تعقيدات الملف الفلسطيني، ذهب الى بناء علاقات مع مواقع رسمية سياسية وأمنية لبنانية وسفارات عربية وأجنبية، إضافة الى علاقاته مع القوى والفصائل الفلسطينية، بما في ذلك القوى التي تواجه مشكلات مع منظمة التحرير. وهو كان قد ورّط نفسه والحكومة في برنامج لإعادة تنظيم وضع المخيمات ونزع سلاحها، وتعاون بقوة مع رجال السلطة الفلسطينية في لبنان.
وفي ملف «أونروا»، يحضر الحسن بصورة الجهة التي تؤمن لكلاوس شبكة الأمان المحلية، ويساعدها على بناء شبكة علاقات إضافية، علماً أن المديرة نفسها قامت بدور في إقناع السفارة الألمانية بمواصلة تمويل لجنة الحوار وبرامج الحسن، بعد فشلها في إقناع السفارتين: النروجية والسويسرية.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق