إضرابات الفلسطينيين مستمرة ضد سياسة الأونروا: عودة إلى الأصول


 أحمد الحاج علي|| المدن

ليس مفاجئاً في سلوك الأونروا تجاه بعض موظفيها في لبنان بسبب أنشطتهم الوطنية، سوى تفاجؤ بعض الفلسطينيين. فالأونروا كمؤسسة دولية، التي تساهم الولايات المتحدة بثلث ميزانيتها، لم تكن يوماً بعيدة عن التأثيرات الأميركية المباشرة. وكان ذلك أوضح في العقد الأول الذي تبع تأسيسها، ثم في مرحلة ما بعد أوسلو، وما إجراءاتها الأخيرة سوى عودة إلى أصولها.
معاقبة ومراقبة
فقد عادت الإضرابات الفلسطينية في لبنان إلى الساحة مرة جديدة، بعد تعليقها لأيام، عقب طلب وكالة الأونروا من مدير ثانوية دير ياسين فتح شريف الاستقالة، وجاء التعليق إثر وعود بالمعالجة بعيدة عن الإعلام، ليتفاجأ شريف برسالة من المفوض العام فيليب لازاريني تخبره بإجراء يتضمن توقيفه عن العمل لمدة ثلاثة أشهر من دون راتب، وتسليم المقتنيات، ثم يُصار إلى التحقيق.
وبعث لازاريني برسالة أخرى شبيهة إلى مدير خدمات الأونروا في مخيم البص، رائف أحمد، تعلمه بإيقافه عن العمل لشهر من دون راتب. وإذا كانت ذريعة إيقاف شريف بسبب ممارسته أنشطة سياسية، فإن المفاجأة كانت أن الاتهام الموجه لأحمد بسبب مشاركته في تظاهرات مناهضة لإجراءات وزير العمل الأسبق كميل أبو سليمان عام 2019، والتي شاركت فيها الغالبية العظمى من الفسطينيين.
ورغم الاحتجاجات والبيانات الفصائلية والنقابية وعرائض المجتمع الأهلي، إلا أنه يبدو، حتى الساعة، أن الأونروا ماضية في إجراءاتها، التي قد تتوسع لتشمل أعداداً إضافية، إذا لم يدخل عامل إضافي، أو تُطرح مبادرة جدية من الجانب اللبناني تحديداً تسمح بإيجاد مخارج معقولة.
بعثة المسح
هناك من يحاول منح المبررات للأونروا، بأنها مضطرة للاستجابة للضغوط الدولية لكي تستمر في إغاثة حوالى ستة ملايين لاجئ فلسطيني في المناطق الخمسة (غزة والضفة والأردن وسوريا ولبنان)، وإلا فإن الأزمات المالية المتصاعدة منذ منع ترامب تمويل الوكالة عام 2017 ستتصاعد، وبايدن الذي أعاد التمويل ضمن شروط قاسية، بما عُرف باتفاقية الإطار عام 2021، هو الآن أقرب إلى نظرة ترامب للأونروا. لكن بالعودة إلى ظروف إنشاء وكالة الأونروا وسياستها لا يبدو ما يجري بعيداً من أهداف الوكالة وعلّة وجودها.
يتحدث قرار إنشاء الأونروا رقم 302 عن دعم الاستقرار والسلام، ويؤكد الالتزام بقرارات "بعثة المسح الاقتصادية"، وصولاً "للوقت الذي تصبح فيه المساعدة الدولية للإغاثة ولمشاريع الأعمال غير متوفرة"، أي بمعنى التوطين واندماج اللاجئين، حسبما تبين مشاريع الأونروا اللاحقة. فمن هي بعثة المسح الاقتصادية التي سيتكرر اسمها أكثر من مرة في متن القرار 302؟
هي بعثة دولية خاصة باللاجئين الفلسطينيين تُعتبر الأونروا امتداداً لعملها، وأُنشئت الوكالة بناء على توصياتها. والبعثة نفسها كانت فكرة في الخارجية الأميركية، وجرى إيكال عملها إلى الأميركي جوردون كلاب Gordon Clapp وهدفت إلى "إعادة دمج اللاجئين الفلسطينيين في الحياة السياسية والاقتصادية للشرق الأوسط" من خلال تنفيذ "برنامج للتنمية الاقتصادية بواسطة أشغال كبرى".
تمويل يهودي؟
ومن دون الخوض في تفاصيل هذه المشاريع، رغم أهميتها، بقيت الأونروا وفية لهذه الأفكار، ففي التقرير الأول للمفوض العام للأونروا 1950-1951 تحدث بوضوح عن عدم إطالة عملية اللجوء وإنعاش اقتصادات الدول المضيفة. واللافت أن إنشاء الأونروا واستمرارها في سنواتها الأولى حظي بدعم إسرائيلي، لأنه يريح (إسرائيل) نسبياً من عبء مطالبتها بعودة اللاجئين، ناهيك عن تقارير كثيرة تتحدث عن دعم إسرائيلي مالي للأونروا من خلال جمعيات يهودية، جرى تسميتها، بل هناك من يُرجع فكرة تأسيس الأونروا إلى الجانب الإسرائيلي الذي ستتغير نظرته للوكالة مع مرور الزمن.
وفي سنوات لاحقة تضمنت تقارير المفوض العام الجهود التي تبذلها الوكالة لتهجير اللاجئين الفلسطينيين، فمثلاً تقريره لعام 1955 ينوّه بالدور الذي قامت به الأونروا لتهجير 221 فلسطينياً من لبنان. ولا يفوتنا محاولات الأونروا الجادة خلال الخميسنات لتوطين مئات آلاف اللاجئين الفلسطينيين، وأشهرها مشروع توطين حوالى مئتي ألف لاجئ يقطن غزة في شمال سيناء. وفي السياق نفسه كانت تُخضع إدارة الأونروا الموظفين المشكوك في نشاطهم الحزبي لتحقيقات ومساءلات، وهذا ما يوضحه في مذكراته أحمد اليماني، مدير مدرسة مخيم بعلبك عام 1952.
لكن بعد عام 1956 تغير الوضع نسبياً، وفشلت محاولات التوطين، نتيجة الإرادة الفلسطينية الجامعة والرافضة، والتظاهرات من غزة إلى لبنان وكل مناطق تواجد اللاجئين. إضافة إلى تغير في أجواء المنطقة والعالم باتجاه دعم أكبر للقضية الفلسطينية، وتواجد كوادر وطنية تاريخية في الأونروا، منها على سبيل المثال المفتش العام بقسم التعليم ذياب الفاهوم، الذي اتهمه البريطانيون باغتيال حاكم لواء الجليل أندروس عام 1937، ثم هرب إلى العراق وشارك بثورة الكيلاني.
بعد أوسلو
لم تفقد الأونروا دورها السياسي، وبقيت الموازنات تخضع إلى حد بعيد لرغبات الداعم الأكبر، أي الولايات المتحدة، إلى أن جاء توقيع اتفاق أوسلو، فنقلت الوكالة مقرها الرئيسي من فيينا إلى غزة، وأطلقت ما عُرف بـ"برنامج تطبيق السلام"، ومشروع "مواءمة الخدمات"، الذي كان يهدف إلى مواءمة خدماتها مع خدمات الدول المضيفة للاجئين، تمهيداً لتسليم تلك الخدمات للدول المضيفة. وألغت الأونروا تعليم تاريخ وجغرافية فلسطين في مدارسها، ولم تمض سنوات قليلة حتى دفعت المعلمين نحو توقيع تعهد بعدم ممارسة أي نشاط سياسي، لكن من دون عقوبات تُذكر.
ومع فشل عملية التسوية، وتدهور متسارع في الواقع العربي، خصوصاً بعد عام 2003، ووقوع انقسام فلسطيني جغرافي وفصائلي غير مسبوق، وتصاعد اليمين الإسرائيلي، بدأت الحكومات الإسرائيلية، وخصوصاً منذ عام 2013، تعتبر وجود الأونروا "عقبة أمام السلام" تعمل على "إدامة الصراع العربي الإسرائيلي"، وأخذ شعور إسرائيلي يتزايد بأن الأونروا التي أريد لها أن تدفن قضية اللاجئين أخذت تتحوّل إلى شاهد على وجود القضية. وشاركت الولايات المتحدة في الحملة التي تمخض عنها وقف التمويل عام 2017.
عودة الولايات المتحدة عن قرارها عام 2021 بوقف التمويل ترافق مع اتفاقية الإطار مع الأونروا الذي ينص صراحة على تكريس حيادية الموظفين، وإبلاغ الأونروا عن أي خرق لهذه الحيادية، ومنع خدمات الأونروا عن عائلات المرتبطين بفصائل فلسطينية. وهناك من يربط الاتفاقية بشروط مماثلة أملتها الولايات المتحدة على الأونروا عام 1961، لكن تعذّر تنفيذها حينها. ومنذ اتفاقية الإطار مارست الأونروا رقابة صارمة على موظفيها في مواقع التواصل الاجتماعي، وأدى ذلك لعدة أزمات بين الأونروا ومجتمع اللاجئين الفلسطينيين في لبنان إثر فصل عدد من الموظفين بسبب آرائهم.
لا روسيا ولا الصين
المساهمات المالية الكبيرة للولايات المتحدة للأونروا تمنحها شبه تحكّم وسيطرة على قراراتها، فقد ساهمت بحوالى 7 مليارات دولار للوكالة منذ إنشائها قبل 75 عاماً، لإدراكها أنها إحدى المفاتيح الأساسية للتحكم بالقضية الفلسطينية. لكن اللافت أن الدول التي تحاول مزاحمة الولايات المتحدة على مكانتها الدولية، أي الصين وروسيا، عملياً لا يساهما في ميزانية الأونروا. فمثلاً ميزانية عام 2022 ساهمت الولايات المتحدة بـ343 مليون دولار، بينما لا تظهر دولة مثل الصين أو روسيا من بين الدول الخمس وعشرين المساهمة في ميزانية الأونروا، فهناك ما يشبه التسليم الدولي لنفوذ الولايات المتحدة داخل الأونروا.
خلاصة القول، رغم أن الأونروا قدّمت الكثير لمجتمعات اللاجئين الفلسطينيين خلال تاريخها الطويل، خصوصاً في مجالات التعليم والصحة والإغاثة والتشغيل، إلاّ أن دورها ومسارها ظل يخضع للضغوط الأميركية، وخصوصاً منذ صفقة القرن عام 2020، والتي اعتبرت الأونروا مشكلة تستوجب الحل، لذلك فإن محاولات إخضاعها بشكل كامل ستستمر على الأرجح، إلى حين إيجاد من يملأ الفراغ، وهي مهمة ليست سهلة، أو متوافق عليها. ومع ذلك فإنه على صعيد لبنان على الأقل، يستوجب الواقع ابتداع مقاربة فلسطينية لبنانية تجاه الأونروا حتى لا يكون لبنان واللاجئون الفلسطينيون فيه ضحية المفاجأة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق