بعد 100 يوم على الحرب العدوانية الإسرائيلية على قطاع غزة.. المطلوب فلسطينياً؟


 بقلم وسام زغبر
مدير مكتب مجلة الحرية في قطاع غزة
عضو الأمانة العامة لنقابة الصحفيين الفلسطينيين
 
مئة يوم على الحرب العدوانية الإسرائيلية على قطاع غزة، وما زالت إسرائيل الدولة القائمة بالاحتلال ترتكب جرائم الإبادة الجماعية وسياسة الأرض المحروقة بحق المدنيين العزل وممتلكاتهم في القطاع.
حيث تجاوز عدد الشهداء والمفقودين حاجز ال30 ألفاً وعدد الجرحى حاجز ال60 ألفاً ومئات حالات الاعتقال التعسفي والاخفاء القسري، واستهداف المشافي وسيارات الإسعاف والطواقم الطبية والدفاع المدني، واستهداف المؤسسات الإعلامية والصحفيين وعوائلهم حيث بلغ عدد الصحفيين الشهداء 110 صحفياً، وتجاوز حجم التدمير الإسرائيلي الممنهج لمنازل وممتلكات الغزيين حاجز 60% في قطاع غزة ككل، وحاجز ال80% في مدينة غزة وشمال القطاع، إلى جانب الضعف الشديد لخدمات الاتصالات والانترنت والانقطاع التام للكهرباء وفق احصائيات شبه رسمية ومراقبين.
فيما وصلت الأوضاع الحياتية إلى أرقام قياسية في المأساة والكارثية ولا سيما في مدينة غزة وشمال القطاع جراء عدم إدخال المساعدات الإنسانية، حيث قدر مراقبون أن نحو 1.9 مليون غزي تعرضوا للنزوح القسري من بيوتهم ومنهم من نزح أكثر من مرة، حيث يعيش في مدينة رفح لوحدها نحو 1.4 مليون إنسان بزيادة مليون غزي. فيما أن انعدام الأمن الغذائي تجاوز ال90%، فيما الفقر تجاوز حاجز ال70% بشكل عام، فيما لم يحصل الغزيون على مياه نظيفة للشرب والاستخدام الآدمي ما جعلهم عرضة للإصابة بالأمراض المعوية والأوبئة ولا سيما انتشار الكوليرا ووباء الكورونا في أوساط النازحين وتعرض المئات منهم لخطر الوفاة.
الموت يفتك بالغزيين إما قتلاً برصاص قوات الاحتلال الإسرائيلي، أو جوعاً نتيجة انعدام الأمن الغذائي والنقص الحاد في الحصول على وجبة طعام في اليوم الواحد، أو عطشاً نتيجة النقص الحاد في مياه الشرب أو تلوث تلك المياه، أو فتكاً بالمرض نتيجة انتشار الأمراض والأوبئة والنقص الحاد في الأدوية والمستلزمات الطبية.
لم تكتف آلة الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة باستهداف المدنيين وممتلكاتهم، بل طاولت أوضاعهم المعيشية والحياتية، حيث وصلت أسعار السلع ولا سيما الأساسية منها لأرقام فلكية جراء عدم إدخال المساعدات الإنسانية لمدينة غزة وشمال القطاع للشهر الرابع على التوالي، وتجاوزت اسعار السلع الأساسية في مدينة غزة وشمال القطاع أسعارها المعروفة بأضعاف مضاعفة ومنها على سبيل المثال، سعر كيلو دقيق القمح ثلاث دولارات، والبقوليات تجاوزت الدولارين للكيلو الواحد، فيما غابت الخضروات والفواكه عن المشهد وإن وجدت فأسعارها تتجاوز الدولارين للكيلو الواحد، فيما يصل سعر كيلو اللحم الطازج للعجول بنحو 20 دولاراً، والمجمد لنحو 10 دولارات، فيما تجاوز سعر أنبوبة غاز الطهي وزن 12 كيلو حاجز ال100 دولار إن وجدت.
إن الغلاء الفاحش في أسعار السلع والمواد الغذائية والتي طاولت السلع الأساسية والتي يقودها تجار الحروب واللصوص وتتحمل مسؤوليتها الأولى قوات الاحتلال الإسرائيلية التي صنعت الفلتان الأمني وتضع العراقيل أمام إدخال المساعدات الإنسانية، وكذلك سلطة الأمر الواقع في قطاع غزة والتي فشلت في تسعير السلع والحاجيات الأساسية وضبط الأسواق، وحماية المدنيين العزل وممتلكاتهم.
المشهد في قطاع غزة تغير نحو الأسوأ، حيث يصطف الغزيون في طوابير الانتظار الطويلة للحصول على مياه شرب غير نقية، ومياه للاستخدام المنزلي، وطوابير لقضاء حاجاتهم في مراكز الايواء، وطوابير لشراء بعضاً من السلع الأساسية إن وجدت، وطوابير لاستلام المساعدات الإنسانية إن توفرت.
ورغم الأوضاع المأساوية والكارثية التي تعيشها غزة بمحافظاتها الخمس ومخيماتها الثمانية، ورغم فظائع العدوان الإسرائيلي وجرائم الإبادة الجماعية والتي دخلت يومها المئة، إلا أن الشعب الفلسطيني ما زال صامداً مكافحاً حاضناً لمقاومته الباسلة وهي تكبد جيش العدو الإسرائيلي - الجيش الرابع عشر من ناحية القوة على مستوى العالم - خسائر كبيرة سترغمه على الانسحاب من قطاع غزة حاملاً ذيول هزيمته دون تحقيق أي من أهدافه المعلنة وغير المعلنة لحربه على القطاع والمتمثلة في القضاء على المقاومة الفلسطينية وتجريدها من سلاحها واستعادة الأسرى الإسرائيليين لدى المقاومة وإجبار الغزيين على التهجير القسري لخارج قطاع غزة.
ولكن تلك المشاريع والسيناريوهات الإسرائيلية والغربية والأميركية والتي تموضعت حول «اليوم التالي للحرب» وراهنت على هزيمة المقاومة الفلسطينية وتجريدها من سلاحها ونفي قادتها والحركة الوطنية لخارج قطاع غزة وسقوط خيارات الصمود وتركيع الشعب الفلسطيني وتدمير إرادته الوطنية.
فيما بلورت إسرائيل سيناريو مع دخول الحرب مرحلتها الثالثة في مدينة غزة وشمال القطاع حول إعادة انتشار قوات جيشها في حزام أمني واستقطاع أجزاء واسعة من أراضٍ فلسطينية على طول حدود  شمال وشرق قطاع غزة إلى جانب استمرار الحصار البحري والسيطرة والرقابة على معبر رفح، وفصل جنوب القطاع عن شماله ومنع النازحين من العودة إلى منازلهم في شمال القطاع.
وتداولت الأوساط السياسية الإسرائيلية في الأسابيع الأولى للحرب على قطاع غزة سيناريو التهجير القسري لمواطني قطاع غزة لخارجه. وبدا مؤخراً طرح مشروع التهجير الطوعي للغزيين من خلال تواصل حكومة الاحتلال الإسرائيلي مع عدد من الدول لتوطين الغزيين، وما زال هذا المشروع قائماً نظراً لسياسة التدمير والتقتيل الإسرائيلية الممنهجة للشعب الفلسطيني وممتلكاته.
هذه المشاريع والسيناريوهات ستفشل بصمود الشعب ومقاومته الباسلة وعدم تحقيق العدو الإسرائيلي أياً من أهدافه مع دخول الحرب الإسرائيلية شهرها الرابع، وهذا يطرح السؤال التالي، كيف نحول فشل العدو الإسرائيلي إلى هزيمة، وصمود الشعب الفلسطيني ومقاومته إلى انتصار؟! والإجابة على ذلك السؤال يكون بالتأكيد على خيار المقاومة والدفاع المستميت عن القطاع ودعم صمود الشعب الفلسطيني، وتصعيد المواجهة والمقاومة في الضفة الفلسطينية، وتصعيد الحالة الجماهيرية المؤازرة للشعب الفلسطيني ومقاومته في كل مكان، واستثمار جبهات الدعم والمساندة للحالة الفلسطينية ولا سيما التحركات في عديد العواصم العربية والأوروبية وكذلك الدعوى المقدمة من دولة جنوب افريقيا لمحكمة العدل الدولية بوصف ما جرى ويجري في قطاع غزة جرائم إبادة جماعية.
أمام تلك المشاريع والسيناريوهات والمقترحات تبقى الحالة الفلسطينية تفتقر إلى قيادة وطنية موحدة كونها هي المعنية برسم الاستراتيجية الوطنية لمتابعة مسار النضال الوطني الفلسطيني، وتفتقر أيضاً إلى الرؤية الفلسطينية الموحدة لما يسمى «مستقبل إدارة غزة» سواء توقفت الحرب العدوانية الإسرائيلية على قطاع غزة أو استؤنفت بمسارات وأهداف جديدة.
وهذا يتطلب من كافة مكونات الحركة الوطنية الفلسطينية الاسراع بتوحيد الصفوف ما يستدعي حواراً وطنياً جاداً للاتفاق على رؤية واستراتيجية وطنية موحدة، والتوحد على مكونات الكيانية الفلسطينية: وحدانية التمثيل + الدولة الحرة السيدة  المستقلة بعاصمتها القدس+ حق العودة.
وختاماً، أمام تلك المعطيات والمشاريع والسيناريوهات ستبقى غزة عصية على الكسر والانكسار رغم ما وصلت إليها أوضاعها الحياتية والمعيشية، ورغم جرائم الإبادة الجماعية والتطهير العرقي والترانسفير، ورغم ازدواجية المعايير والصمت الدوليين، ورغم غياب العدالة والشرطة الدولية وهي تشاهد حجم الجرائم الإسرائيلية بحق المدنيين العزل والتي تصل لجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية دون أن تحرك ساكناً.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق