الفشل الإسرائيلي وتداعياته



                                                         أسامة خليفة
                            باحث في المركز الفلسطيني للتوثيق والمعلومات «ملف»
 
حدثت عملية «طوفان الأقصى» في عهد أكثر الحكومات الإسرائيلية تطرفاً وعدوانية، وهو أمر لا يختلف كثيراً لو حدثت في عهد أي حكومة إسرائيلية أخرى في ردة فعلها العدوانية الانتقامية، ذلك تؤكده كل الوقائع التاريخية التي مر بها الصراع مع المحتل بمختلف التيارات السياسية الصهيونية التي تسلمت زمام السلطة في الكيان، والتي ربما تكون قد تباينت في برامج وسياسات معينة، لكنها كانت موحدة أو متشابهة في استراتيجيتها الاستيطانية التوسعية العدوانية الاستعمارية نحو الانسان والأرض الفلسطينية، من هذه الناحية قد تختلف من حيث الدرجة لا من حيث النوع.
لقد أدت أحداث عملية طوفان الأقصى إلى صدمة في الوعي الإسرائيلي، ولاسيما الوعي الصهيوني الديني المتطرف، أولها أن الفلسطينيين قادرون على إلحاق الهزيمة بجيشهم الذي لا يقهر، وأن الخرافة الأسطورية التي نسجوها عن قدراتهم المبالغ بصورتها في توفير الحماية للمستوطنين قد تزعزعت، وأن الزمن الذي يتوغل جيشهم في العمق الجغرافي السكاني الفلسطيني دون خسائر باهظة، قد ولى، وواقع الحال غير ما تصوره لهم عقولهم، فلأول مرة تتم عملية إخلاء للمستوطنين من غلاف غزة، ومن شمال فلسطين المحتلة القريبة من الحدود اللبنانية.
يوم 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، يوم مفصلي في تاريخ الصراع المرير مع العدو الصهيوني سيؤدي إلى تداعيات غير مسبوقة على الحالة الإسرائيلية، على المستوى العسكري والاستخباراتي، وعلى المستوى السياسي، وعلى المستوى الاقتصادي، أبسطها السقوط السياسي لرؤوس التطرف الصهيوني المتمثلة في نتنياهو وبن غفير وسموتريتش، مما يؤدي إلى تغيرات في الخريطة الحزبية الإسرائيلية، وقد شهدنا تغيرات كثيرة تتسارع نتيجة الأزمات التي مر بها هذا الكيان، تحالفات تلتقي فتقوم، ثم تختلف وتزول، أحزاب تظهر، وأحزاب تتلاشى، منها ما يتراجع، ومنها ما يتصدر ائتلاف حكومي مهتز، مما يدل على حالة عدم استقرار لها عواملها الداخلية، لكن لا يخفى تأثير العامل الفلسطيني الكبير ودوره في كل أزمة يمر بها الكيان، هذه الأزمة الإسرائيلية الناجمة عن عملية طوفان الأقصى تختلف عما سبقها، العامل الفلسطيني جلي واضح الأثر لا لبس فيه، سيُحمّل ليس فقط نتنياهو، بشكل شخصي، الفشل والإخفاق الذي أدى إلى أحداث يوم 7 تشرين الأول، بل أيضاً حكومته وحزبه، لصالح الأحزاب الأكثر براغماتية، وعند هذا الحد سيتجمد بشكل جزئي انزياح المجتمع الإسرائيلي نحو اليمين واليمين المتطرف، سيبقى متجمداً لأن طبيعة هذا المجتمع قائم على فكر عنصري توراتي خرافي لا يرى في غير اليهود إلا كائنات أقل من البشر، لكنه سيضطر إلى مجاراة السياسة الدولية المتغيرة التي ستعمل على طرح سياسي لحل القضية الفلسطينية بعد توقف القتال مهما تكن نتائجه، آخذين بالاعتبار صورة إسرائيل الجديدة أمام العالم كدولة عدوان ومجازر، لا تراعي حقوق الإنسان ولا تهتم بالقانون الدولي، هذا السقوط لرموز التطرف الصهيوني هو سقوط لأفكارهم السياسية، مقولة «السلام مقابل السلام» تلخصها، وعودة إلى شعار مؤتمر مدريد للسلام تحت عنوان «الأرض مقابل السلام».
خطأ في التقدير السياسي لقدرات الشعب الفلسطيني أفشل سياسة إسرائيل في إدارة الصراع مع الفلسطينيين القائمة على فرض الأمر الواقع، واعتبار استخدام القوة المفرطة تفرض الحل المقترح للقضية الفلسطينية وفق «السلام مقابل السلام»، وثبت خطأ مقولة «التطبيع ينهي الصراع في الإقليم»، لأنه يغفل محور المقاومة ودوره الإقليمي، ويغفل أن الصراع يتمركز على فلسطين، ورأس الحرب فيه هي المقاومة الفلسطينية، لا يمكن بأي حال من الأحوال تجاهلها، مع ذلك خطوات التطبيع على المستوى الرسمي لم تؤدِ إلى اندماج حقيقي في الشرق الأوسط، والشعوب سواء في البلدان العربية المطبعة، والبلدان الموقعة على اتفاقيات سلام مع إسرائيل، رافضة للتطبيع.
وفق منطق الأمور كل فشل أو إخفاق يعقبه محاسبة ذاتية أو مجتمعية، والعقلانية تشير إلى التوقف عن الوقوع في الخطأ، والاستفادة من دروسه، لكن ماذا يمكن أن يُسمى الإصرار على الفشل والزلل؟. أنه من غير المحتمل أن يستطيع نتنياهو تحقيق ما أعلنه كأهداف رئيسية من الحملة البرية التي يعول عليها اسرائيلياً في القضاء على المقاومة الفلسطينية، بل إن إخفاقات نتنياهو ترتبط بثقل التهم والقضايا القانونية، وإذا أراد الليكود لعب دور مهم في السلطة، وقد أصبح نتنياهو عبئاً ثقيلاً على حزبه، سيفكر أن يتخلص منه ويبحث عن قيادة جديدة، وقد يضطر الليكود، وخلافاً لعقيدته الاستيطانية العدوانية، إلى الاعتراف بحق الشعب الفلسطيني في دولة مستقلة ذات سيادة، باعتباره ركناً أساسياً من أركان الاستقرار في المنطقة، فقد نالت عملية طوفان الأقصى من مكانة إسرائيل، وزادت عزلتها، في أعين الرأي العام العالمي، رغم المحاولات الأميركية الضاغطة على العواصم المختلفة لفك هذه العزلة، فقد أثمرت عملية طوفان الأقصى إجماعاً دولياً شاملاً على ضرورة إيجاد حل شامل يتعامل مع حقوق الشعب الفلسطيني حلاً عاجلاً لا يقبل التأجيل أو التسويف، أو تأجيله وتنويمه بإعطاء الأولوية لتنشيط قضايا التطبيع في المنطقة.  
فيما يخص قضايا التطبيع ما قبل عملية طوفان الأقصى ليس كما بعدها، بالتأكيد ستتباطأ خطوات التطبيع كمشروع أمريكي يتضمن خططاً اقتصادية وتنموية كبيرة، كان يؤمل انجازها بسرعة، لدمج اسرائيل في النظام الإقليمي الشرق أوسطي الجديد، لكن أفسدتها الحرب التي لا تزال دائرة بشراسة، ولم يعد لها الأولوية في تعزيز اتفاقات التطبيع بين دول المنطقة ولاسيما تطبيع علاقات السعودية مع إسرائيل، وقد تتوقف خطوات التطبيع كلياً، ليس بحسب مواقف الحكومات، بل نتيجة ضغوطات شعبية وإرادة جماهيرية لا يمكن تجاهلها من الحكومات بالشكل الكامل والمطلق.
لقد أوقعت عملية طوفان الأقصى العدو الإسرائيلي في مأزق استراتيجي متعمق باطراد، وفي أزمة اقتصادية وأمنية متفاقمة، لن تنفرج، ولو ضمن حدود، بتخفيض التوتر القائم، فعندما تضع الحرب أوزارها، ستظهر الخلافات والاتهامات على أسس شخصية ونفعية بين قادة الاحتلال، وتتصاعد بعد أن تأجلت مؤقتاً للضرورة التي تفرضها حالة الحرب، وسيجد نتنياهو الحالم بالبقاء في منصب رئيس الوزراء في إسرائيل، ضارباً رقماً قياسياً في توليه لهذا المنصب، سيجد نفسه أمام القضاء يحاكم بتهم تلقي الرشوة وخيانة الأمانة واستغلال النفوذ.
الفشل الآخر هو فشل المؤسسة العسكرية والاستخبارية الإسرائيلية على التنبؤ بعملية «طوفان الأقصى» والعمل على منع وقوعها، مما جعل نجاح المقاومة في المناورة الاستراتيجية للتعمية على الاستعدادات والتحضير للعملية العسكرية، والسرية التامة لساعة الصفر، أمراً يحسب للمقاومة، لا يشابهه في هذا على مر تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي إلا حرب السادس من تشرين أول/ أكتوبر 1973، أما على صعيد الصراع الفلسطيني –الإسرائيلي، فهذا يمثل تطوراً نوعياً غير مسبوق من حيث قدرة المقاومة الفلسطينية على اختراق «الحدود الآمنة» المجهزة بأسوار وحواجز الكترونية كلفت دولة الاحتلال المليارات من الدولارات.
لقد أدت حرب تشرين الأول/ أكتوبر 1973 إلى صدمة للوعي الإسرائيلي، وأحدثت تغيرات في الخريطة الحزبية الإسرائيلية، وجرت تفاعلات خلال عدة سنوات بعد تلك الحرب، غيّرت معادلة السلطة الثابتة المستقرة منذ عام 1948 ببقاء حزب العمل على رأس حكومة تحكم إسرائيل على مدى ربع قرن، وسيطر حزب العمل منذ بداياته 1930على الهستدروت والحركة الصهيونية العالمية، وظل يحظى بالأغلبية في الكنيست، حتى العام 1977 حين جاءت حكومة الليكود اليمينية إلى السلطة، والآن يذوق هذا الحزب وزعيمه من نفس الكأس الذي تجرعه من قبل موشي دايان وغولدا مائير.
فشلت الحكومة في الاضطلاع بمسؤوليتها الرئيسية بحماية حياة مواطنيها، وخذلتهم في توقع توفير الأمن لهم من دولة اعتبرت دولة أمنية بامتياز، ظل الأمن هاجسها الأساسي، تقع تحت تأثير التخوف الدائم لاختراقات أمنية، حتى في أوج جاهزيتها وقوة استخباراتها، وقد عملت منذ سنوات النشأة لتوفير كل ما يمكنها من وسائل القوة وتجهيزات الإنذار لتمنع مثل هذه العمليات الفدائية، ولو بمجموعات صغيرة غالباً لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة، وأحياناً لا تتجاوز أصابع اليدين معاً، نجحت بالتسلل إلى الداخل والاشتباك مع الجيش وميليشيات المستوطنين، وأوقعت الخسائر بالعدو، لكن لم تكن بهذا العدد من المقاومين في عملية طوفان الأقصى الذي قدر بالمئات من النخبة المقاتلة، لقد فشل جيشها المكلف بتوفير هذه الحماية، بل فشل في توفيرها لنفسه يوم 7 أكتوبر، ووقعت فيه خسائر جسيمة واقتيد جنوده وضباطه أذلاء إلى الأسر.
ادعى قادة الاحتلال، السياسيون والعسكريون، أن هدف الحملة العسكرية البرية التي بدأت مساء يوم 27 تشرين الأول /أكتوبر هو استعادة اسراه من قبضة المقاومة دون شروط، وبعد أكثر من  شهرين ما يزال عاجزاً عن الوصول إلى تحرير أي أسير إلا عن طريق المفاوضات وبشروط المقاومة.
وكان آخر فشل في تحرير الأسرى عن طريق عملية كوماندوس عسكرية فجر يوم الجمعة 8/12، أسفرت عن مقتل الجندي الأسير ساعر باروخ في تلك العملية الفاشلة، فضلاً عن قتل عدد من جنود الوحدة الخاصة المنفذة، وغنم المقاومون بعض معداتهم، بندقية وجهاز اتصال وذخائر، هذا الفشل في إطلاق سراح الجنود والضباط الأسرى الإسرائيليين، سوف يُعرض نتنياهو لضغوط للتفاوض في نهاية المطاف على إطلاق سراحهم، مقابل تبييض سجون الاحتلال، وإطلاق سراح جميع أسرى فلسطين.
ما حدث يوم 7 أكتوبر/ تشرين الأول، سيكون له تبعات بغض النظر عن نتيجة الحرب الجارية حالياً على قطاع غزة، وتمتد إلى كامل منطقة الشرق الأوسط التي ستتغير فيها بعض قواعد الصراع، مثل تطور محور المقاومة من التنسيق إلى أشكال أعلى من التكامل، كما ستؤدي إلى تغيير ملموس في باقي دول المنطقة، يشبهها البعض بالحالة العربية التي أعقبت عام النكبة وخروج الجيوش العربية مهزومة أمام جماعات صهيونية مدربة ذات خبرة في الحروب كان العرب يرون فيها مجرد عصابات مسلحة، يبدو الوضع بعد عملية طوفان الأقصى مقلوباً في مجرى الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي، جماعات غير نظامية مسلحة بأسلحة خفيفة أو بدائية مصنعة محلياً في ورشات تصنيع بسيطة، تهزم جيشاً مصنفاً من أقوى جيوش العالم، يمتلك ترسانة أسلحة متطورة وعتاداً وذخائر من أحدث ما توصلت له التكنولوجية الأمريكية والأوروبية، تفوق قدرة الجيوش العربية مجتمعة على مجاراتها، أو الوقوف أمامها.
الفشل العسكري له بعده السياسي، حين أعلن القادة السياسيون وماشاهم العسكريون في الهدف من حربهم على غزة، بأنه يهدف إلى القضاء نهائياً على فصائل المقاومة الفلسطينية، أو حماس كما يعلنون، لكن بعد شهرين من القتال والمعارك الدامية والقصف المجنون على المنشآت والبنية التحتية والدعم الأمريكي والغربي غير المحدود سقط وهم القضاء على المقاومة.
بعد هذا، وبعد استئناف القتال إثر انتهاء الهدنة التي امتدت لستة أيام، الجمعة 1/11 لم يجد العدو الإسرائيلي، غير تكرار تجربة اجتياح شمال القطاع الفاشلة، واستنساخ نفس السيناريو في جنوب القطاع، فشل التوغل البري ليس في القضاء على حركة المقاومة بل أيضاً فشل في إضعافها، مازالت مع دخول الحرب شهرها الثالث توقع خسائر كثيرة في الجنود والضباط الإسرائيليين، ورغم ذلك أعلن الجيش الاسرائيلي عن مرحلة ثالثة من عمليته العسكرية، وهو عاجز عن إتمام مرحلته الأولى، سحب فرقتين من الشمال، ووجههما نحو خانيونس لعله يحقق أي نصر، ولو وهمي، فشل في تحقيقه في الشمال، على أمل أن يستعيد سياسة الردع والحرب الاستباقية، التي افتقدها يوم السابع من تشرين الأول، إذاً المقاومة أمام معادلة صراع جديدة، ومعادلة ردع، اليد العليا فيها للمقاومة، بصمودها وتحديها إرادة الاحتلال وإفشال مخططاته، وبصمود مجمل الشعب الفلسطيني، فالمقاومة مستمرة طالما لا حل دائم وحقيقي للصراع الإسرائيلي الفلسطيني.
ومن ضمن الأهداف الإسرائيلية الفاشلة، فشل إيقاف إطلاق الصواريخ على غلاف غزة، وباقي المستوطنات والمدن الأخرى المقامة على امتداد الوطن المحتل، على مدار السنوات المتتالية طوَّرت المقاومة صواريخها لتصبح أكثر قوة، وأبعد مدى، وأكثر تأثيراً، فلم تعُد الصواريخ تقتصر على الوصول إلى المستوطنات في غلاف غزة، بل وصلت إلى تل أبيب، وبئر السبع، وحيفا، وأصبحت الصواريخ تصل إلى مطارات إسرائيل الرئيسية، وبإمكان المقاومة استخدام صواريخها متى شاءت، ما يدفع إسرائيل إلى إغلاق مدن كاملة، وإجبار سكانها على البقاء في الملاجئ، وتوقف الحياة بشكل كامل، ورغم أن القدرات العسكرية غير متكافئة بين الطرفين، لكن «معادلة القصف بالقصف» كانت تجبر دولة الاحتلال على القبول بوقف إطلاق النار بعد أيام من القصف المتبادل، لم تخض إسرائيل حروباً طويلة الأمد، خوفاً من التبعات الاقتصادية التي لا يمكنها تحملها لفترة طويلة، وهي تشكل عامل ضغط على إسرائيل، عملية «الجرف الصامد» التي شنّها جيش الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزّة في الثامن من تموز/يوليو 2014، واستمرت خمسين يوماً، كانت أطول الحروب، وأطلقت المقاومة خلالها 4564 صاروخاً، وقذائف هاون من قطاع غزة.
لماذا كل هذا الفشل الإسرائيلي ولم يؤدِ تكراره إلى انهيار محتمل لكيان الاحتلال؟. «طوفان الأقصى» أكبر وأخطر فشل واجهه الاحتلال الإسرائيلي لكن في كل مأزق وأزمة، هناك من يغطي الفشل، لا يكتفي بدعم مواطن الإخفاق فقط، بل يكون شريكاً كاملاً متضامناً مع العدوان على الفلسطينيين، الولايات المتحدة الدولة العظمى بكامل إمكاناتها التسليحية والاقتصادية والسياسية، في أزمة الاحتلال هذه، سارعت أساطيلها إلى شرق المتوسط لتزود آلة القتل الإسرائيلية بكل ما يلزمها من معدات وتجهيزات عسكرية ومن قنابل الموت والإبادة، وأعلن رئيسها ووزير خارجيتها صراحة عن هذا الدعم اللامحدود، مستخفاً بالعالم المتحضر الذي يدين ويستنكر انتهاك القيم الإنسانية، وبرزت معاداة الإنسانية بوضوح في القرار الأميركي باستخدام حق النقض الفيتو في مجلس الأمن ضد مشروع وقف حرب الإبادة التي يتعرض لها شعب فلسطين.   

 

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق