ترميم أم إصلاح أم إعادة بناء ؟!

 


معتصم حمادة       
عضو المكتب السياسي للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين
 
 مازال المجتمع الفلسطيني في الضفة والقطاع، يتحدث عن قرارات السلطة الفلسطينية، في عزل دفعة كبيرة من المحافظين (معظمهم)، وحوالي 35 سفيراً في خارجية السلطة، بدعوى تجاوزهم للسن القانوني، ومكوثهم في وظائفهم مدة أطول من اللازم. فبدت قرارات السلطة وكأنها محاولة لتجديد دماء منظومة المحافظين، والقسم الأكبر من السلك الدبلوماسي.
كما لفت نظر المراقبين أن الذين أحيلوا إلى المعاش، أو جرى تبديلهم، من محافظين وسفراء، تبلغوا القرارات عبر وسائل الإعلام، وليس عبر الأقنية الإدارية النظامية المعتمدة، فبدت قرارات التغيير وكأنها شكل من أشكال الطرد من الوظيفة، في سلوك يتسم بعنجهية لا تقل عن عنجهية عن سلوك السلطة نفسها مع الحركة الجماهيرية.
وإذا تجاوزنا هذه الجزئية اللافتة، في قرارات الإبعاد، فإننا نقف بالضرورة أمام سلسلة من الملاحظات الواجب الإفصاح عنها:
 •الملاحظة الأولى: إن قرار تبديل المحافظين شمل معظم المحافظين في الضفة والقطاع، دون مقدمات، ودون أية إشارة تنبئ بأن السلطة مقدمة على هذا القرار. الأمر الذي ما زال يشكل مفاجأة للجميع بمن فيهم من طالهم القرار نفسه، ما يشي وكأن القرار صدر في لحظة ارتجالية، غير مدروسة، أو أنه كما سربت بعض وسائل الإعلام، ذات الطابع الواسع، أن قرارات تغيير المحافظين صدرت تحت ضغط دول «شقيقة وصديقة»، شكت أن المحافظين الحاليين ليسوا على قدر المسؤولية المطلوبة في عملية إعادة ترتيب أوضاع الضفة، بما ينسجم مع تفاهمات «العقبة – شرم الشيخ»، وأن المطلوب بالمقابل، بات يتطلب المجيء بمحافظين ذي خلفية أمنية وعسكرية، تؤهلهم لتحمل المسؤولية في لجم الإرهاب والعنف والفوضى، وتكريس قانون «السلطة الواحدة، والقانون الواحد، والبندقية الواحدة»، أي أن التعديل يندرج في سياق استراتيجية تعميق التعاون الأمني مع دولة الاحتلال، ومحاصرة المقاومة الناهضة في الضفة، وفرض «الهدوء والاستقرار فيها».
 الملاحظة الثانية: إن قرار التعديل في وزارة الخارجية طال 35 سفيراً، وهو رقم كبير، إذا ما قورن بوضع كوضع السلطة، التي لم ترتقِ بعد إلى مستوى الدولة المستقلة بذات الآليات، التي تتسم بها وظائف السلك الدبلوماسي فيها ولم يفسر قرار التبديل، السبب وراء هذا الرقم الكبير من السفراء المطلوب منهم مغادرة مراكزهم، ومع ذلك فإن هذا التغيير طرح على بساط البحث مسألتين: الأولى ما هي وظيفة السلك الدبلوماسي لحالة كالحالة الفلسطينية، هل هو سلك دبلوماسي لدولة مستقلة، أم لحركة تحرر لشعب تحت الاحتلال؟.
ولأن الواقع هو المعني بتوفير الجواب، فإننا نقول إن السلك الدبلوماسي للسلطة سقط في الامتحان، حين حاول أن يتلبس رداء السلك الدبلوماسي لدولة مستقلة، بكل ما في ذلك من امتيازات وبهرجة ومظاهر، تتعارض مع الواقع اليومي للحالة الفلسطينية، إن في الضفة تحت الاحتلال، أو في القطاع، خلف الحصار، أو في الشتات المنتشر في مخيمات البؤس والشقاء والبطالة ونقص الخدمات، لذلك إذا كان مطلوباً، حقاً، إجراء تغيير في السلك الدبلوماسي، تغييراً ذا معنى، فالأولى أن يبدأ التغيير من الرأس، أي تغيير الوزير، وفريقه الذي حول سفارات فلسطين (معظمها وليس كلها) إلى مرتع للبطالة، تبدت واضحة مؤخراً في الذكرى الـ75 للنكبة، حين فشلت سفارات فلسطين في تحمل مسؤولياتها لإحياء الذكرى في الدول المضيفة، بما يليق بالقضية الفلسطينية وشعبها ومناضليها وأسراها وشهدائها.
• كان واضحاً طابع الارتجال في عمليتي التغيير، في المحافظين وفي السلك الدبلوماسي، حين قررت المرجعية ذات الصلة تشكيل لجنة لدراسة المرشحين الجدد، لتولي المناصب التي فرغت بعملية التبديل، أي ما معناه أن الإقالات لم تستند إلى مراجعة لا لأعمال المحافظين، ولا لأعضاء السلك الدبلوماسي، وعندما تغيب المراجعة، تغيب بالضرورة عملية استخلاص الدروس، وهو ما يعيدنا مرة أخرى إلى القول، بالارتجال الذي رافق قرارات الإقالة، أما أن تقتصر أعمال اللجنة المشكلة، على تقديم الأسماء المؤهلة، لتولي المهام الجديدة، ففيه محاذير، كون الاختيار معها لا يستند إلى معايير متفق عليها، ما يفتح الباب للمداخلات، والتدخلات، والضغوطات، والضغوطات المضادة، وشخصنة الأمور، بما يفرغ كل عملية التغيير من مضمونها، وبما يفتح الباب للأسف، لنشوب صراعات ونزاعات، بين أصحاب النفوذ في السلطة، لتسييد رأيهم وتغليب خياراتهم، كما يفتح الباب أمام السلوكيات الانتهازية لمن يتطلعون إلى فرصة التسلق إلى منصب عالٍ، كمحافظ أو سفير أو غير ذلك.
• الملاحظة الأخيرة في هذا السياق، تقوم على السؤال عن أوضاع الحكومة في السلطة الفلسطينية، التي دامت، برأينا، أكثر من اللازم، ولم تقدم تجربة مميزة، بل سادت في ظلها الأحاديث عن الفساد، والوساطات والتدخلات غير القانونية، غلب على أدائها الخطاب السياسي، بدلاً من خطاب التنمية وتطوير الخدمات، غاب وزراؤها في الضفة في عتمة النسيان، حتى بتنا ننسى أسماؤهم، ولا نتذكر منهم سوى رئيس الحكومة الذي يطالعنا في بداية كل اجتماع وزاري بخطاب سياسي، ووزير المال، الذي يطل علينا بين فترة وأخرى، ليبشرنا بأرقام العجز المالي في السلطة، ما عدا ذلك، بات باقي الوزراء أقرب إلى المجهولة أسماؤهم لدى الرأي العام، دون أن ننسى الدور النشط لوزيرة الصحة المشهود لها، الدكتورة مي الكيلة.
 
 
 
ترميم، أم إصلاح، أم إعادة بناء ؟! ...
بعد هذه الملاحظات «الجزئية» نطرح السؤال التالي: هل تستهدف التبديلات، ترميم السلطة، أم إصلاح أوضاعها، أم إعادة بنائها على أسس جديدة.
وفي محاولة منا للإجابة على هذا السؤال، نرى ما يلي:
أولاً: إن الأسلوب  الذي اتبع في التبديلات، ارتجالي، لم يستند إلى مراجعة واستخلاص الدروس والمعاني، وبالتالي، نعتقد أن الخطوة، وإن كانت تندرج في إطار سياسي – أمني، فإن حقنا أن نحذر منها، فإن عملية الترميم لن تنتشل الإدارة، والسلطة من مأزقها الذي تعيشه، ولن تستطيع وضع حد للفساد، فالفساد الإداري والمالي والزبائني، إنما جذره يكمن في الفساد السياسي، وجذر الفساد السياسي الرهانات على أوسلو والوعود الأميركية، وبالتالي إذا لم يتم إخراج السلطة من مأزقها السياسي الذي تتربع فيه مشلولة، منذ أكثر من ثلاثين عاماً، فإن محاولات الترميم لن تنجح في تجديد السلطة، ولا في تنشيط إدارتها، ولا في نقلها إلى مربع جديد، بل هي محاولة محدودة، ليس إلا، من أجل التهرب من استحقاقات تلقي بثقلها على الوضع العام، في ظل تطورات محلية وإقليمية، تلهث السلطة في محاولة فاشلة للحاق بتداعياتها، فتضطر إلى اللعب على الوقت، واللعب على الفراغ، وما الحديث عن تبديلات إدارية، في ظل الحالة الراهنة، وسلوكيات السلطة وإدارتها ومؤسساتها، سوى محاولة لملء الفراغ والإيحاء بأن السلطة تقوم بخطوات إلى الأمام، بما يلبي مصالح شعبها، في الوقت الذي يدرك فيه الجميع أن ما يجري ليس سوى مراوحة في المكان، لن يأخذ الحالة الفلسطينية إلى أي مربع جديد.
ثانياً: أما إذا كان الهدف من التعديلات، أبعد قليلاً من الترميم، ويندرج في عملية الإصلاح، فالإصلاح الحقيقي لا يكون إلا من منظور سياسي، كل عمليات الإصلاح يجب أن تصب في السياسة، إن كان إصلاحاً في السلك الدبلوماسي، أو الوزاري، أو الإداري، أو الأمني وغيره ...
وما نقرأه يومياً من تصريحات رسمية، كخطاب الرئيس أبو مازن في اجتماع الأمناء العامين (30/7)، أو خطابه في اجتماع المجلس الثوري لحركة فتح، لم يغادر السياسة المعروفة للقيادة السياسية للسلطة، والتي تقوم على الالتزام بـ«اتفاق أوسلو»، والاستعداد (المشروط) للالتزام بتفاهمات «العقبة – شرم الشيخ»، والرهان على «الأفق السياسي»، و«تسهيلات الجانب الإسرائيلي للسلطة»، والرهان على «حل الدولتين» على يد الإدارة الأميركية، أضيف لها مؤخراً سلسلة من المطالب «الترقيعية»، قدمت إلى الولايات المتحدة، في إطار ملء الفراغ (وهذا ما سنعود إليه في مقال لاحق)، وبالتالي لا رهان على الإصلاح الإداري ما دام الإصلاح السياسي غائباً، ولا نتلمس له أثراً في أجواء السلطة.
ثالثاً: ما نحتاجه حقاً، عملية إعادة بناء للنظام السياسي الفلسطيني، تتجاوز عمليتي الترميم والإصلاح المحدودتين.
ولا نضيف جديداً، إذا ما أكدنا على أن إعادة البناء يجب أن تستند وفقاً للتوافق الوطني، إلى عملية ديمقراطية شاملة، عبر تنظيم الانتخابات العامة، رئاسية، وتشريعية، على خطيّ السلطة وم. ت. ف، بنظام التمثيل النسبي الكامل، حيث أمكن، وبالتوافق حيث يتعذر ذلك، مع حل وطني لعقدة القدس، وبما يعيد بناء المؤسسات الوطنية الجامعة، القائمة على التوافق ومبادئ الشراكة الوطنية، وبما يعيد للشعب الفلسطيني وجهته باعتباره شعباً لحركة تحرر وطني ضد الاحتلال، ويكون عنوان الحراك السياسي بكل ألوانه، حراك مقاومة الاحتلال بكل أساليبه، وفقاً لاستراتيجية كفاحية، تغطي الميادين كافة، توحد الشعب والأرض والحقوق، بعيداً عن كل مظاهر التشرذم والتشتت، السياسي والمؤسساتي، وبدون ذلك، فلسنا سوى في حفرة واسعة، ندور في جنباتها، ونلتف حول أنفسنا، بينما نحن نعتقد أننا نسير إلى الأمام 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق