ممنوعون من البناء في المخيمات والتملك خارجها.. إلى أين يذهبون؟


 

الوليد خالد يحيى

تتواصل مفاعيل منع اللاجئين الفلسطينيين من إدخال مواد البناء إلى المخيمات والتجمعات الفلسطينية في لبنان والبناء أو الترميم بالبروز، مع ازدياد حجم الكتلة السكانية وما تولده من حاجة للتوسع العمراني، في ظل منع اللاجئين الفلسطينيين من التملك العقاري خارج المخيمات.

جيل جديد من اللاجئين الفلسطينيين، يطمح للزواج وتكوين عائلة، إلّا أنّ ذلك يحتاج إلى منزل، لذلك فإن عدداً كبيراً من الشبان في المخيمات لا يطمح الواحد منهم سوى بغرفتين ومنافعهما، لتكون مستقراً لأسرة وليدة، كثير من هؤلاء الشبان يفكرون بالبناء فوق منازل عائلاتهم إن أتيح لهم ذلك، أو الحصول على قطعة أرض ضمن حدود المخيم أو محاذية له للبناء عليها، في وقت شحّت فيه المنازل الشاغرة في المخيمات، في ظل ازدياد الكثافة السكانية، ووفود العديد من الجنسيات للسكن في المخيمات.

قوانين لبنانية، تمنع اللاجئين الفلسطينيين من التوسع العمراني، وخصوصاً في مخيمات وتجمعات جنوب لبنان (الرشيدية، برج الشمالي، البص، وتجمعات القاسمية، الشبريحا، والعباسية.) وكذلك في مخيمات صيدا، وشهدت تلك المخيمات حالات توقيف عدة لأبنائها بتهمة "البناء غير الشرعي" وآخرها احتجاز اللاجئة الفلسطينية نصرة موسى مباركة البالغة من العمر 64 عاماً بتهمة بناء منزل، وهي من أبناء مخيم الرشيدية.

السلطات اللبنانية منعت اللاجئين الفلسطينيين في لبنان من البناء في المخيمات ما ضيّق عليهم فرص الحصول على سكن

"باسم ياسين لاجئ فلسطيني في مخيم البص بمدينة صور جنوبي لبنان، عبّر عن مخاوفه حول سكنه في المستقبل في ظل القوانين اللبنانية، التي تضيّق فرص حصول اللاجئين على سكن، وقال في حديث لبوابة اللاجئين الفلسطينيين: إن تلك القوانين تمنعه من الزواج.

وأضاف ياسين البالغ من العمر 31 عاماً: إنّه صار في سن الزواج، إلّا أنّ ما يمنعه من الإقدام على تلك الخطوة، هو عدم تأمين سكن، وشحّ الفرص لذلك.

وأشار اللاجئ الفلسطيني إلى أنّ جدّه بعد أن هُجّر من فلسطين إثر نكبة العام 1948، حصل على قطعة أرض مُستأجرة من وكالة "أونروا" في مخيم البص، وبنى عليها منزلاً، وفي الستينيات بنى والده طابقاً، إلّا أنه اليوم بات ممنوعاً ان يبني فوق منزل والده بسبب القوانين التي صدرت في التسعينيات وتمنع ذلك.

وكانت السطات اللبنانية، قد منعت اللاجئين الفلسطينيين من إدخال مواد البناء، بموجب قرار صدر في العام 1997، إضافة إلى منع منحهم رخص بناء في المخيمات، وحصرت ذلك فقط ضمن صلاحيات وكالة "أونروا" المعنية بعمليات الترميم فقط، دون التوسع في البناء.

وأكملت السلطات قرارها، بقانون صدر عام 2001 يحمل الرقم (296) يمنع اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، من ترميم منازلهم أو بناء منزل داخل حدود المخيمات، وتملّك بيت أو عقار خارج المخيم.

ولا يطال قرار المنع، فقط مواد البناء التي من الممكن استعمالها في التوسع العمراني لأغراض السكن، وإنما تشمل المتعلقة بعمليات الترميم، أو تأهيل البنى التحتية، أو إنشاء بنى عمرانية أساسية لمنع ضرر ما، كممانعة السلطات اللبنانية إصدار موافقة بناء سد بحري يحمي سكان الواجهة البحرية في مخيم الرشيدية من مياه الأمواج التي تضرب منازلهم شتاءً.

وسجل في المخيمات طوال السنوات والأشهر الأخيرة، عدداً من الحالات التي "عاقبت" فيها السلطات اللبنانية، لاجئين قاموا بإدخال مواد بناء لترميم منازلهم وحماية أنفسهم من الخطر.

في عام 2019، أوقفت السلطات اللبنانية اللاجئ الفلسطيني إبراهيم مصطفى من مخيم برج الشمالي، لـ "ارتكابه مخالفة ببناء منزل في أرض مشاع وشراء مواد بناء بطريقة غير شرعية".

وفي ذات العام، أجبرت السلطات اللبنانية اللاجئ الفلسطيني، من مخيم عين الحلوة، سعيد شبايطة، على هدم سقف شيده داخل المخيم ليسكن فيه هو وزوجته فوق منزل أخيه، حيث رفضت السلطات الإفراج عنه حتى هدم السقف والتعهد بإيقاف الإعمار.

وتوالت "انتهاكات" السلطات اللبنانية بحق لاجئين فلسطينيين حاولوا البناء أو الترميم، لتصل إلى حدّ احتجاز نساء مسنات، ونذكر هنا احتجاز اللاجئة آمال موسى يوم يوم 28 تموز/ يوليو من العام 2022، بحجّة بناء منزل دون ترخيص، قبل الإفراج عنها يوم 1 آب/ أغسطس بعد إجبارها على هدم أساسات المنزل.

لا تحركات دبلوماسية وسياسية ملموسة من قبل المستوى الرسمي والفصائلي الفلسطيني لإعادة النظر في هذه القوانين

أصوات كثيرة علت منذ سنوات، حول قضية مواد البناء، قادتها جهات إعلامية وحقوقية، الّا أنها لم تصل حدّ التبني السياسي من قبل الجهات السياسية الفلسطينية، باستثناء ما ذهبت إليه "هيئة العمل المشترك" وهي إطار يجمع فصائل منظمة التحرير و "التحالف"، حين دعت بتاريخ 23 آب/ أغسطس من عام 2022، إلى رفع الحصار عن المخيمات، وإلى تحرك شعبي فلسطيني ضد قوانين المنع.

موقف الهيئة حينها، كان تفاعلاً مع قضية اللاجئة آمال موسى التي جرى اعتقالها لبنائها منزلاً، وأثارت الرأي العام في المخيمات، ولكن دون تسجيل أي متابعة سياسية جديّة، سوى ما اعتبره مراقبون "إحالة القضية من قبل السياسيين للرأي العام والاكتفاء بدعوته للتظاهر"

المخيمات لم تعد فيها قدرة استيعابية للمزيد من البناء وهناك حاجة لقرار سياسي حول حق التملك

وتعقيباً على ماهية القضيّة، قال مدير المؤسسة الفلسطينية لحقوق الانسان "شاهد" محمود حنفي، وهي مؤسسة طالما أثارت القضية على المستوى الحقوقي: إنّ المسألة ليست فقط ذات بعد إجرائي، بل هي ذات بعد سياسي.

وأضاف حنفي في تعليق لبوابة اللاجئين الفلسطينيين: إنّ حل هذه المسألة، يتطلب قراراً سياسياً على مستوى الأحزاب في لبنان والحكومة، مؤكداً أنّ "الفوضى في هذا الملف ممنوعة ولابد من تنظيم الأمور بقرارات سياسية".

ونبّه حنفي، من أنّ هناك زيادة طبيعية في نسبة السكان الفلسطينيين داخل المخيمات، في وقت يمنع اللاجئون من التملك خارج المخيمات، ولا يمتلك وسيلة سوى أن يبني داخل المخيم، في وقت أنّ المخيمات لم تعد لديها القدرة الاستيعابية للمزيد من البناء، واللاجئون صاروا يبنون بشكل عامودي.

وأكد حنفي، حاجة اللاجئين الفلسطينيين لقرار سياسي حول حق التملك، نظراً لكون مساحة المخيمات لم تعد تناسب الزيادة الطبيعية للسكان، وانتقد حالات التوقيف بتهم البناء، ووصفها بالمؤسفة.

وأشار الى أنّ المخيم منطقة مستأجرة لمدّة 99 سنة، وبالتالي يجب البحث حول موضوع المنع وماذا يشمل، هل يشمل مناطق "أونروا" أم البناء الواقع على أراض مشاع أم ممتلكات حكومية؟

وكان "مركز العودة الفلسطيني" الحقوقي، قد عرض مسألة منع إدخال مواد البناء للمخيمات، أمام مجلس حقوق الانسان في الأمم المتحدة في آذار/ مارس من العام 2023 الجاري.

ودعا المركز في مداخلته حينها، الحكومة اللبنانية، لرفع القيود عن إدخال مواد البناء إلى المخيمات، والسماح للاجئين الفلسطينيين بإجراء تحسينات على منازلهم المتهالكة.

وتطرقت المداخلة، إلى الوضع الاقتصادي للاجئين الفلسطينيين في لبنان، وأشارت إلى "تأثرهم غير المتناسب بسبب القوانين اللبنانية التمييزية التي عفا عليها الزمن والتي تسعى إلى إبقاء مجتمعهم يعيش في دائرة مستمرة من الفقر. "

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق