القوة التفاوضية الحالة الفلسطينية نموذجاً (1)


معتصم حمادة
       
 عضو المكتب السياسي للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين
 
 في لقاء مع أسرة «الحرية»، جرى في مكاتبها في مخيم اليرموك، والني نهبها الإرهابيون لاحقاً، تحدث الراحل الصديق الدكتور أحمد ثابت الأستاذ في جامعة القاهرة، عما أسماه بـ«القوة التفاوضية».
ورد ذلك في حديثه رداً على سؤال حول قدرة المعارضة المصرية، في زمن الرئيس الأسبق الراحل حسني مبارك، إذ فسر الدكتور ثابت فشل المعارضة في الضغط على النظام المصري لإحداث الإصلاح والتغيير المطلوب، بأنها معارضة لا تملك «القوة التفاوضية» التي من شأنها أن ترغم النظام على الجلوس إلى طاولة المفاوضات من موقع القوة، والتفاوض معه على مشروعها للإصلاح، وصولاً لتحقيق أهدافها أو حتى بعضها.
ودون الذهاب بعيداً في شرح مفهوم «القوة التفاوضية» نعود إلى تجارب شعوب نجحت في إمتلاك هذه القوة وفرضها على أعدائها أو خصومها، منها على سبيل المثال، في جنوب شرق آسيا، الثورة الفيتنامية التي نجحت في إرغام الولايات المتحدة الأميركية بجيوشها وأساطيلها على الجلوس إلى طاولة المفاوضات في باريس، بحثاً عن حل للمأزق الأميركي في غزوة لفيتنام.
ومنها أيضاً التجربة الجزائرية، حين نجحت الثورة الجزائرية في إرغام فرنسا الأطلسية على الجلوس إلى طاولة المفاوضات، بحثاً عن حل للمأزق الذي أرغم فرنسا «العظمى» بقيادة «عظيمها» شارك ديغول للبحث عن مخرج من الأزمة الجزائرية يكفل بعض ماء الوجه للاستعمار الأوروبي العنصري ونموذجه الفاضح آنذاك، الاستعمار الفرنسي.
ينطبق الأمر كذلك على بريطانيا العظمى، التي أرغمت على الجلوس إلى طاولة المفاوضات، وجهاً لوجه مع ثوار عدن في اليمن الجنوبي السابق، للوصول إلى نهاية توفر للاستعمار البريطاني خروجاً آمناً من البلاد.
السؤال: إلى أي مدى تنطبق هذه المقولة «القوة التفاوضية» على الحالة الفلسطينية في العلاقة مع دولة الاحتلال؟
لدينا في هذا السياق، عدة محطات تمثلت فيها هذه المقولة.
 
          
 
 
المحطة الأولى: «مؤتمر مدريد للسلام»
في سياق أوضاع دولية إقليمية مضطربة، منها حروب الخليج والتداعيات الكبرى للانتفاضة الوطنية الفلسطينية الأولى، دعت الولايات المتحدة، بمشاركة غير متوازنة من الاتحاد السوفييتي إلى «مؤتمر للسلام» اختيرت العاصمة الإسبانية مدريد لتكون حاضنة له. وقد رافق الدعوة نشاط دبلوماسي أميركي محموم، كان هدفه الرئيس (كما آنذاك وتأكد بعده أيضاً) ضمان مشاركة م. ت. ف. في المؤتمر.
الشروط الإسرائيلية بحق الجانب الفلسطيني كانت مجحفة، إذ اشترطت أن يكون الوفد الفلسطيني جزءاً من الوفد الأردني، وليس وفداً مستقلاً باسم م. ت. ف، وألا يضم شخصيات من م. ت. ف. بل يتوجب أن تكون كلها مستقلة، وألا يضم الوفد أعضاء من اللاجئين، أو أعضاء مقدسيين، أي اشترطت إسرائيل آنذاك تغييب م. ت. ف. والقدس وقضية اللاجئين عن مؤتمر مدريد وجدول أعماله، وفي هذه الشروط ما يكشف السقف السياسي للموقف الإسرائيلي.
الأطراف العربية المدعوة آنذاك إلى مدريد (سوريا + الأردن + لبنان – أي أصحاب الأراضي المحتلة، ومعها مصر كطرف مراقب) علقت قرارها بالمشاركة على موافقة الجانب الفلسطيني، وبالتالي وكما اعترف الأميركيون لاحقاً في مذكراتهم، كان الفلسطينيون هم من يمسكون بمفتاح المؤتمر، وكان بإمكانهم أن يعطلوه، لو رفضوا الشروط الإسرائيلية – الأميركية. المجلس الوطني الفلسطيني لمنظمة التحرير، في جلسة له في تونس، وضع أسساً للمشاركة في مدريد، أعاد التأكيد عليها لاحقاً المجلس المركزي وهو ما أكد أنه كان يملك «قوة تفاوضية»، يستطيع من خلالها أن يحسن شروط المشاركة في مؤتمر دولي، ينعقد لحل قضايا الصراع في الشرق الأوسط.
كان يمكن للقيادة الفلسطينية أن تفرض شروطها، هكذا اعترف الدبلوماسيون الأميركيون في مذكراتهم، غير أن قيادة م. ت. ف. في تونس، وقد ساورها القلق على مصيرها، خاصة في ظل بروز قيادات شابة في خضم الانتفاضة، بدأت تحتل موقعاً معززاً في الحياة اليومية، كما أدارت أذنيها نحو الضغوط الخليجية، وبذريعة إنقاذ م. ت. ف. من العزلة، ومن أجل أن تستعيد قيادة تونس موقعها في «المعادلة»، وافقت منفردة، ودون الالتزام بقرارات المجلسين الوطني والمركزي، على الذهاب إلى مدريد، بالشروط الإسرائيلية فتخلت عن «قوتها التفاوضية» بحثاً عن مصالح آنية على حساب المصالح الاستراتيجية.
البداية كانت خاطئة، والخاتمة كانت خاطئة، إلى حد الكارثة، الخاتمة كان أوسلو ...
 
مفاوضات كامب ديفيد 2
انعقدت مفاوضات كامب ديفيد 2، برعاية الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون، للوصول إلى «حل دائم» لقضايا الصراع، كما نص على ذلك «اتفاق أوسلو».
في هذه المفاوضات طُرِحَت القضايا التفجيرية، مستقبل الكيان الفلسطيني، حدوده، مستقبل المستوطنات، العلاقات الأمنية، مصير القدس، قضية اللاجئين، العلاقات الاقتصادية ... الخ، وكما قال وزير الخارجية المصري الأسبق، والأمين العام الأسبق لجامعة الدول العربية عمرو موسى وجد الرئيس (الراحل) ياسر عرفات نفسه أمام اقتراحات ومشاريع حلول لا يستطيع إلا أن يرفضها، فهي هبطت كثيراً، وكثيراً جداً عن الحد الأدنى المقبول فلسطينياً، فضلاً عن كونها «لا تنسجم» مع شخصية «زعيم الشعب الفلسطيني»، الذي لا يريد أن يختم حياته السياسية بكارثة وطنية أخرى تشكل التوأم الآخر لكارثة 1948.
أدرك الرئيس عرفات، وهو في كامب ديفيد، أنه يملك «قوة تفاوضية» لم يستعملها حتى الآن في مواجهة إسرائيل والضغط الأميركي، رفض العروض التي قدمت له، كما رفض «الاستشارات» التي قدمها له بعض أعضاء الوفد الفلسطيني المرافق وضغوطهم، وقفل عائداً إلى قطاع غزة، حيث استعاد عنصر «القوة التفاوضية» التي بين يديه، فاشتعلت الانتفاضة الثانية التي أعادت خلط الأوراق، في إسرائيل وفي الولايات المتحدة وفي أوروبا، وفي بعض العواصم العربية، التي أطلق بعض رؤسائها، على صفحات الجرائد نداءات استغاثة إلى واشنطن للإسراع بإطفاء الحريق الفلسطيني قبل أن يتحول إلى حريق عربي شامل.
فكانت مباحثات السفارة الأميركية في باريس بعد أسابيع على انطلاق الانتفاضة الثانية.
 
مباحثات السفارة الأميركية في باريس
انعقدت مباحثات باريس، في السفارة الأميركية، نهاية الشهر العاشر من العام 2000، مثل فيها الجانب الأميركي وزيرة الخارجية مادلين أولبرايت، وعن الجانب الفلسطيني وفد برئاسة الرئيس الراحل عرفات.
وكما أوضح المحللون والمراقبون، ما كان للرئيس كلينتون أن يبعث بوزيرة خارجيته أولبرايت للقاء عرفات، لولا الرعب الذي أصاب الدوائر الغربية (وبعض العربية) من نيران الانتفاضة الثانية. أي ذهب الرئيس عرفات إلى باريس وهو يملك قوة تفاوضية تمكنه من الضغط على الجانب الأميركي للحصول على المكاسب التي يطمح إلى تحقيقها.
وقائع المباحثات تقول إن العروض الأميركية، كما قدمتها أولبرايت أثارت غضب عرفات، فنهض واقفاً وغادر قاعة المباحثات، وهو يقول: إن عنواني معروف لكم. وكما يقول المحللون ما كان لعرفات أن يتحدى أولبرايت وأن يحتقرها وأن يغادر، بالشكل الذي حدث، لولا احساسه بالقوة التفاوضية التي تقف خلفه، أي الانتفاضة الكبرى في عرض الوطن وطوله، وتداعياتها على محمل الحالة الإقليمية.
وأولبرايت بدورها، راعها ما فعل عرفات فهرولت وراءه، حافية القدمين تصرخ بالحراس أن يغلقوا أبواب السفارة، وأن يمنعوه من الخروج، وتحتضن عرفات ممسكة بذراعه، وتدعوه بلطف للعودة إلى طاولة المفاوضات.
هل سبق لأولبرايت أن فعلت الشيء نفسه، مع رئيس آخر في حياتها الدبلوماسية. وهل كان لأولبرايت أن تهرول وراء عرفات حافية القدمين، ترجوه العودة إلى طاولة المفاوضات، لولا إدراكها لحجم القوة التي كان يتمتع بها عرفات باستناده إلى الانتفاضة التي زلزلت الإقليم وعواصمه.
عاد عرفات إلى الأراضي المحتلة يفاوض باليد، ويغذي الانتفاضة بيد أخرى. إلى أن تطورت الأوضاع خلافاً لرغبات الانتفاضة وطموحها السياسي. وفي ظل الافتقار إلى مركز موحد للقرار، وبروز مراكز مشاغبة انتهت الأمور إلى الرحيل الغامض لعرفات، بينما لا تكف الدوائر المطلعة تتحدث عن اغتياله على يد، ما زالت الجهات المطلعة تتكتم حول هويتها، وفي مقدمها بطبيعة الحال العدو الإسرائيلي، بالتعاون مع الولايات المتحدة التي دعت، أكثر من مرة، وعلى لسان رئيسها بوش الابن إلى ضرورة قيام «قيادة فلسطينية جديدة بديلاً لقيادة عرفات الفاسدة». 
نختتم بالسؤال عن «القوة التفاوضية» للقيادة السياسية للسلطة الفلسطينية، وهي تلح على الرئيس الأميركي إطلاق عملية سياسية لـ«حل الدولتين»، وفي السياق عن «القوة التفاوضية» التي تملكها في مباحثاتها مع الاحتلال الإسرائيلي وآخرها «مسار العقبة – شرم الشيخ» 

 

يتبع ...

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق