الفلسطيني زكريا الجيار.. نصف قرن في إصلاح ماكينات الخياطة



 العربي الجديد

يُلملم الفلسطيني زكريا الجيار من مدينة غزة القديمة، القطع المعدنية الخاصة بآلة خياطة قديمة بغرض إصلاحها، في مهنة اعتاد العمل بها منذ ما يزيد عن 55 عاماً.
لم يتخلّ الجيار (82 سنة) عن مهنة تصليح ماكينات الخياطة التي بدأ العمل بها في شبابه، إلى أن شاب شعره، وعلى الرغم من مُشارفة تلك المهنة على الاندثار، إلا أنه ما زال متمسكا بها، ويقول إنّها "مهنته الوحيدة".
يكتظ الحانوت الصغير الذي يفوح منه عبق القِدم، بأصناف هياكل الماكينات المصفوفة إلى جانب بعضها بعضاً، والتي يستخدمها الجيار في عمله، إلى جانب الأدوات اللازمة لإتمام العمل.
ولا يتوقف عمل الثمانيني الفلسطيني عند إصلاح ماكينات من نوع محدد، إذ يقوم بإصلاح كل أنواع الماكينات القديمة التي ظهر عليها الصدأ، إلى جانب الماكينات الحديثة بمختلف مسمياتها.
بصوت امتلأ بالحنين، يقول لـ"العربي الجديد": "بدأت العمل في هذه المهنة وأنا شاب، وتحملت خلال رحلتي الكثير من الصعوبات، خاصة التحدي الكبير المتعلق بجنود الاحتلال الإسرائيلي، الذين كانوا خلال الانتفاضة الأولى عام 1987، يفرضون منع التجول، وكانوا يلقون قنابل الغاز المسيل للدموع داخل المحال التجارية المتأخرة عن تنفيذ القرار، وما تلا ذلك من تحديات إضافية مع اندلاع الانتفاضة الثانية في عام 2000، والحروب المتتالية على قطاع غزة".
يعيل زكريا الجيار عائلة تضم أربعة أبناء، وثلاث بنات، إلى جانب 40 حفيدا، وبدأ مشواره مع ماكينات الخياطة منذ الستينيات، حين استأجر محلا تجاريا في مخيم جباليا للاجئين الفلسطينيين شمالي قطاع غزة، وذلك لقربه من موقف الحافلات، حيث كان يزوره الزبائن من مختلف المدن الفلسطينية المُحتلة.
انقطع الجيار في منتصف الستينيات عن مهنته لمدة عامين، ثم انتقل إلى العمل في منطقة غزة القديمة، إلى جانب حمام السمرة التاريخي، وواصل مهنته في إصلاح أصناف ماكينات الخياطة، ومنها الماكينات التي تدور يدويا، والماكينات التي تعمل بتحريك القدم، وصولا إلى الماكينات الحديثة التي تعمل بالمُحركات الكهربائية.
اختلفت أوضاع تصليح الماكينات عن السابق، وفق الجيار، والذي يقول إن الأسر الفلسطينية باتت تعتمد على خياطة ملابسها عند محال الخياطة بدلا من اقتناء الماكينة، إلى جانب غزو الماكينات الصينية للأسواق، وإغلاق العديد من مصانع الخياطة، علاوة على تأثير الأوضاع الاقتصادية السيئة التي يمر بها قطاع غزة المُحاصر منذ ستة عشر عاما.
ورغم ضعف الإقبال على إصلاح الماكينات بفعل الأوضاع العامة، إلا أن الجيار قام بتعليم ابنه الكبير ماهر أصول المهنة، ليصبح يده اليمنى فيها منذ قرابة 20 عاما، وعن ذلك يقول: "لا ندري ما الذي سيحصل خلال الفترة القادمة، يمكن أن يعود مجال تصليح الماكينات، لذلك قمت بتعليم ابني المهنة، ونتأمل أن تتحسن أوضاعها".
ولا يزال الجيار يحتفظ بماكينات خياطة تعود إلى العصر العثماني، وقد انتهى العمل بها، إلا أن شغفه بمهنته القديمة دفعه إلى اقتناء عدد من القطع القديمة، إلى جانب الحفاظ على الهيئة القديمة لورشته الصغيرة.
ويُجاور حانوت الجيار المسجد العمري الأثري، وسوق القيسارية القديم، وسوق الزاوية التراثي، فيما يقع في منطقة من أقدم مناطق المدينة، وتحيط به المحال التجارية ذات الطابع القديم، وورش الإسكافية، ومحال بيع الملابس وخياطتها.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق