عن الإذلالِ والزّعبرةِ وفزّاعةِ التوطين



مروان عبد العال 

ينخفضُ أو يعلو مستوى الحديثُ عن خطر التوطين بمقدار الذي تتسارعُ فيه وتيرةُ التهجير، سيّما أنّها تنشطُ بمفاعيلِ حالةِ الخنق والإغلاق والقهر، ليبرزَ مفهومُ الإذلالِ كأداةٍ سياسيّة، لها سيرتُها الذاتيّةُ الرهيبة، كما كتبت وجادلت المؤرّخةُ الألمانيّة (أوتا فريفرت)، التي فنّدت آليّات صناعةِ ذهنيّةِ الكراهية، ودورها في إشاعة "الفوبيا" غير المنطقيّة، أو تشكيل "رأي عام" يعتقد بوجود فئةٍ اجتماعيّةٍ يرسم لها صورةً ضارّةً وسلبيّةً، وقد تتحوّل إلى فزّاعةٍ للآخرين، كمادةٍ متفجّرةٍ قابلةٍ للاستخدام عند اللزوم.


الفزَّاعة، هذا الاختراعُ الذي شاء الإنسانُ أن يجده نصيرًا له في طردِ أسرابِ الطيورِ المهاجرة عن مشاركته لُقمةَ العيش، عن طريق إفزاعها! ويتحوّل مفهومُ الفزّاعة إلى رمزٍ بمعانٍ ودلالاتٍ سياسيّةٍ شائعةٍ ومتحرّكةٍ ومتعدّدة؛ حسب نوايا الاستخدام، في تهميشٍ متعمّدٍ لِمُراكمةِ الشعور بالقلق وانغلاق الأفق؛ كأسلوبٍ في خداعِ الطيور، أو زرع اليأس في قلوبها.

كما هو الحالُ مع الوجود الفلسطينيّ في لبنان، حيث يتحوّلُ منطقُ الاستثناء إلى سياسةٍ، والاستعلاء إلى تطبيق القطيعة، وتمارسها كإجراءاتٍ عقابيّةٍ سلطويّة، تتأرجحُ من اعتبار التوطين فزّاعةً، ثُمَّ تنقلبُ بعدها ليصبحَ وجود اللاجئ نفسه القسري والمؤقت هو الفزّاعةُ بعينها!

فزّاعة التوطين: لم يكن يومًا مشروعُ التوطين غائبًا، منذ أن وُجدت قضيّة اللاجئين، لم تكن يومًا خروجًا عن جدول التصفيّة! ليس بالتوطين حتمًا، بل التصفيّة بوسائلَ متعدّدة!؛ نظرًا لحجم الأزمة المركّبة، سيّما وأنها "رأس جبل" الأزمات المُتراكمة، التي بدأت بالظهور التدريجي جرّاء تفاقُم الوضع الاقتصاديّ الاجتماعيّ، أصبح التندّرُ ما إذا كان الاقتصاد اللبناني أم لبنان على شفا الانهيار، ولم تتوقّف معزوفةُ التوطين التي يضج فيها نشاز الخطاب السياسي اللبناني، كانت ذروتها عام 1975، والتاريخ له معنى، بعد أن صار يُقدّر أن نحو ثلثي اللاجئين الفلسطينيين هاجروا من لبنان. بمعنى أنّ اتّفاق الطائف الذي أنهى الحرب الأهليّة صار مرجعيّةً لدى أطرافه لتأكيد الإجماع المفقود، إلا في رفض التوطين.


كأنّما تقرّ وتعترف الأطرافُ المتحاربةُ أنّ خوضها الحربَ الأهليّةَ كان بذريعةِ محاربةِ التوطين، وهناك من وصَفَ قتالَهُ لاقتلاع المخيمات بأنّها كانت مقاومةَ الوطن البديل! ولذلك كان مِسكُ ختام الحرب في اتّفاق الطائف يؤكّد على رفض التوطين، وكأنّ الجميعَ حقّقَ غايتَهُ من الحرب، وأنّ انخراطَهُ فيها كان لإفشال هذه المؤامرة، أو لعلّه الحاجةَ إلى المشترك اللبناني الجديد، الذي يؤسِّسُ لوطنيّةٍ يُبنى عليها التعايشُ الوطنيّ وما بعدُ طائفي!

تلك هي أهمُّ المفاعيلِ التي صاغتها نتائجُ حربٍ أهليّةٍ قاسية، وكان الإذلالُ السياسيُّ حربًا ناعمة، كالقولِ: إنّها مشروعةٌ ضدّ "الغريب"، فالتحقيرُ خلالَ الحروبِ يهدفُ عادةً إلى خلق حافزٍ للقتل وتدمير معنويات الخصم من خلالِ خفضِ إحساسِهِ بالشرفِ والأمانِ وشيطنتِهِ كمختلف.

طبعًا، حقوقُ الطبع محفوظةٌ للجبهة اللبنانيّة "اليمينيّة" صاحبة براءة اختراع (فزاعة التوطين) ورفعتها كيافطةٍ سياسيّةٍ لتخوض على أساسها الحرب 1975، وتحالفت مع الصهيوني "الشيطان" من أجل حربٍ "مقدّسة" ضدّ الوجود الفلسطينيّ المدنيّ والسياسيّ والعسكريّ!

وعلى السياق التاريخي ذاته حدث العدوان الصهيوني عام 1982، حيث استكملت لُغة شيطنة الوجود الفلسطيني، ليجيز الشراكة مع المعتدي في سبيل التخلّص من "الشعب الزائد"! وحصل النموذجُ الفظيعُ في جريمةِ مجزرةِ صبرا وشاتيلا، وصولًا إلى زمن السلم الأهلي من وصف الفلسطينيّين بـ "النفايات البشريّة". ثمّ جاءت مقولةُ الخطر "الديموغرافيّ والدينوغرافي"، والمطالبة بتقاسم اللجوء وتوزيعه على سائر الأقطار؛ لأجل ذلك يتمّ تشويهُ سمعةِ المخيم، بدلًا من أن يرمز إليه بالمناضل، صار يرمز بخارج عن العدالة، وتنتقل دلالةُ الفدائيّ إلى الإرهابي! الذي يفسِّر الهبوط المستمر في الوعي القيمي الذرائعي؛ خاصّةً عند أصحاب القرار في الدولة الطائفيّة العميقة، التي ما زالت تُعاندُ الواجبات الموضوعيّة في التعامل مع اللاجئ/ الضيّف.

2- فزّاعة اللاجئ: الذي يدلّل حديث المؤامرة، ليست أكثر من زعبرةٍ سياسيّةٍ وأحيانًا انتخابيّة، فالخنقُ الاقتصاديّ إضافةً إلى خطابٍ تمييزيٍّ يساوي تدميرَ مجتمعِ اللاجئين، لما تتركُهُ من أثرٍ طويلِ الأمدِ وعميقٍ جدًّا، الذي يفسّرُ كلَّ هذا النزف والبحث عن حلولٍ فرديّةٍ وأحيانًا انتحاريّة، سواءً بتبنّي مواقفَ مُغامِرةٍ وعدميّة، أو إعادة إنتاج الشتات، ودفعه لترك المكان الذي لا يجد له قيمةً إنسانيّةً فيه.

على وقع الانهيار واستهدفاتِ إغراقِ المركب بمن فيه، لا يختلفُ الاثنانِ على أنّ المواطن واللاجئ على حافة الغرق، ولا يوجد تَرَفُ السؤال من ينقذ من؟ ثمّ ما معنى النجاة؟ هل يكون أحدُهم ثمنًا لبقاء الأخر؟!



مع تقاطع الضغط الحالي؛ تتكرَّرُ اللغةُ الملوّثةُ ذاتُها؛ أنّ الهدف من الضغط الذي أدّى إلى الانهيار هو لفرضِ مؤامرةِ التوطين! في بلدٍ تتعزَّز فيه الهُويّاتُ الطائفيّةُ أقوى وأعمقَ وأكثرَ جاذبيةً من الهُويّة الوطنيّة الجامعة.

مع ذلك المسألة الجامعة، وفي إجماعٍ وطنيٍّ ورسميٍّ وشعبيٍّ على رفضِ التوطين لبنانيًّا وفلسطينيًّا، رسميًّا وشعبيًّا! وحتّى أنّ ديفيد شينكر المبعوث الأمريكيّ السابق يُجمع كذلك ويُطمئن أنّ "واشنطن لن تضغطَ على الحكومة اللبنانيّة لتوطين اللاجئين الفلسطينيّين كجزءٍ من صفقة القرن". لذلك لا بدّ من قطعِ الحلقة المُفرغة من سياسةِ التكاذُبِ السائدةِ في زمن "اللادولة" منذ اتّفاق الطائف إلى اليوم، خاصّةً أنّ معزوفةَ التوطين مجرّدُ زعبرةٍ أمامَ نتائجَ مخيفةٍ تتحدّثُ عن موجةٍ جديدةٍ من الهجرة الفلسطينيّة من لبنان.

بين معاداة التوطين الذي يجمعُ عليهِ الشعبُ الفلسطينيُّ كجزءٍ من التمسُّك بقضيّتِهِ وعودتِهِ وهُويّتِهِ ووطنيّتِه، لكن ليست لغة الرفض المجلّلة أحيانًا بالعنصرية التي تطاول على اللبنانيين أنفسهم، وليس الفلسطينيين فحسب، وما زال في الأذهان آخر احتجاج التهجّم على شباب لبنانيين؛ لأنّهم يلبسون الكوفيّة الفلسطينيّة في منطقة الجمّيزة. فالعداءُ لرمزيّةٍ وطنيّةٍ لا يمكن أن يكون في خانة مواجهة التوطين بل كرهٌ للوطنيّة الفلسطينيّة!

إنّ غيابَ سياسةٍ كاملةٍ توفّرُ شروطَ رفضِ التوطين، لكنْ غيابُها قصدًا يؤسّسُ لمسلسلٍ جديدٍ من تبديد الهُويّة، على الأقل يتمثَّلُ في صياغة تجمّع وجود طرفين في سياسةٍ مشتركةٍ لمواجهة من يريد أن يفرضَه! وليس في البحث عن ضحيّةٍ وَوَسْمها بأنّها مجموعةٌ خارجيّةٌ لا وطنيّةٌ وفئةٌ اجتماعيّةٌ؛ لتصيرَ محلَّ رِيبةٍ واحتقارٍ عميقٍ وتُحَوَّلٍ إلى كبشِ فِداءٍ في الوقت المناسب، بما يسهِّل تنفيس الغضب المتصاعد ضدّه.

مِن الفزّاعة إلى الفظاعة: إذا كان لبنانُ يتّجهُ بخُطًى سريعةٍ نحو الانهيار الكامل؛ الإفلاس في البِنية الاقتصاديّة، لكنّه في الوعي القيميّ السلطويّ والتبريريّ والمبالغات في الخصوصيّات الفرديّة والتمايز الشخصي، قبل أنْ يُعلَّق الفشل على شمّاعة المُؤامرة الخارجيّة، وكلّ ما يجري من حربٍ اقتصاديّةٍ شاملةٍ تهدفُ لفرضِ مخطّطاتٍ دوليّةٍ تريد التوطين. ويغيّب عن الذهن مسؤوليّة السياسات التي تعمل على النتيجة ذاتها.
الانهيارُ الكبيرُ يعني وضعَ لبنان كيانًا أمامَ تداعيات وجوديّة، والتحدّي لا يكون بزرع اليأس والتشكيك بكلّ شيءٍ و"إنَّ وراء الأَكَمَة ما وراءها"! وتكون حصيلةُ ذلك، أنَّ الدولة تفقد مقوِّمات الدولة، مع العلم أنَّ الغاية الأبعد لِنزْع عناصر قوّتها ومناعتها ومقاومتها، لترابط قضيّة اللجوء مع أصل الصراع، ووجود المقاومة، وتطال المواطن في الصّميم وتجليّات الانهيار حالة الفوضى في المؤسّسات، لتنال من بيئتها في الشوارع والأحياء.

صحيحٌ أنّ الأزمة تطال الجميع؛ مواطنين ولاجئين من حالة الاختناق والفقر والجوع والهجرة، والاستشفاء، والعتمة، والمحروقات ورفع الدعم عن الأدوية وحليب الأطفال، لكن تظلّ مضاعفة لللاجئ في ظلّ الحياة العارية والناقصة التي يعانيها، مثل: رفع الدعم الذي يَطال جميع المقيمين على الأراضي اللبنانيّة، وكذلك رفع الجمرك وأزمة البنوك؛ ولكن البطاقة التمويليّة هي فقط للفقراء اللبنانيّين! يُستثنى منها فقراء من جنسيّاتٍ مقيمةٍ، وخاصّة اللاجئ الفلسطيني، في ظلّ تنصُّلِ الأونروا بالالتزام بتغطيتها نتيجةَ العجز.

4- سياسةُ البؤس الرسميّ: هي حصيلةُ حالةِ البؤس والإذلال السياسيّ والرسميّ، وأثرها العميق في تشويهِ الصورة. البؤسُ الفلسطينيّ في لبنان هو - أوّلًا - نتاجُ السياسةِ النابذةِ للفلسطينيّ، فالسياسةُ تبدو هنا كما لو كانت خلّوًا من أيّ مضمونٍ غيرِ مضمونِها أي سياسة "اللاسياسة" الذي تحدِّدُهُ هي ذاتُها، أو كما لو كانت محكومةٌ فقط بغاياتِها التي يُرادُ إنجازُها، وهي مواجهةُ خطر التوطين عبرَ تخفيفِ عددِ اللاجئين الفلسطينيّين في لبنان.

إنّ معاييرها المستحدثة التي تجبّ ما قبلها، وكلّ ما عداها، من معاييرَ استثنائيّةٍ وتلحقها بها، هكذا توضع المعايير الإنسانية والمواثيق والمعاهدات والبروتوكولات الدوليّة المصدّق عليها من قبل لبنان، وهي بالتعريف سياسيّةٌ؛ أي حقوقيّةٌ وإجرائيّةٌ إذًا، حين يتّصل الأمر باللاجئين الفلسطينيّين، ويدفع بها إلى الخلف في سُلّم الأولويات.

إذ كان من سياسةٍ معلنةٍ أو مُضمَرة، فهي تكمن في زيادة البؤس في سبيل تخفيف حمولة المركب! نُدرك معنى أنّ تطلق الأونروا عام 2010، حملةَ "الكرامة للجميع" في لبنان، الذي سُرعان ما تمّ إيقافُه؛ لأسبابٍ نجهلُها! هذا البرنامجُ كان ردًّا على الإذلال ومسّ كرامةِ اللاجئ! وتمّ وضعُهُ لرفع الوعي بالتحدّيات، لذلك رأيْنا كيف كانت دائمًا كلمةُ "الكرامة" مطلبَ كلِّ حركةٍ في المخيّمات، كان سببُ كلّ تمرُّدٍ وانتفاضة: أنّهم يشعرون بأنَّهم ضيفٌ غيرُ مرغوبٍ فيه، في "غيتو" مُغلق، وأنّ الدولةَ المضيفةَ تذلَّهم، كما علّق الصحفيّ الأمريكيّ توماس فرِيدمان بكلّ وضوح: بأنّ الإذلال يُعدُّ قوّةً سياسيّةً مهمّةً، ولكنْ يُستخَفُّ بها في كثيرٍ من الأحيان.

إذنْ، فما جدوى التّغني برفض التوطين؟ إذا كان المُستهدَفُ من التوطين بالكاد قادرًا على التنَفُّس، ويملك قُدرةً محدودةً من الوصول إلى الخدمات العامة، وممنوعًا من العمل في عددٍ من المهن، يعيش أكثر من 66 بالمائة منهم تحت خط الفقر. لذلك أقيم العديد من المبادرات المجتمعيّة؛ لزيادة التواصل بين الشباب اللبنانيّين والفلسطينيّين من خلال الحوارات في المدارس والجامعات اللبنانيّة وعرض الأفلام الوثائقيّة وتنظيم الزيارات إلى المخيّمات، للبَدْءِ بمعالجةِ القوالبِ النمطيّةِ والتصدّي للتمييز.

لا شكّ أنّ ماكينة الحصار تضغطُ إنسانيًّا لتبتزَ سياسيًّا، وأن ترمي حبل النجاة متى دُفع الثمن المقبول لذلك، كلّ هذه السيرة الذاتيّة الرهيبة، مرّت عبرَ حروبٍ ألغت مخيّماتٍ، وأخرى مورست برصاص البؤس وغيره، حتى إلى مُصادرة الحقوق الإنسانيّة الأساسيّة للفلسطينيّين في لبنان، لذلك لا بدّ من تعْريَة هذه الزعبرة السياسيّة إلى عمليّةِ تفنيدٍ وتفسيرٍ وفهمٍ واستيعاب. كما تحتاجُ عمليّة إنتاج البؤس إلى تفكيك، بتعبيرٍ آخر، وخاصّة إدراك آليّات الإذلال السياسي، لفرض غرضٍ سياسيّ. من خلال زاويتين: أوّلاهما بؤس السياسيّة اللبنانيّة المبنيّة على هواجسَ ومبرراتٍ وزعبراتِ رفض التوطين، أمّا الثانيةُ؛ فالمساهمةُ في صناعة البؤس الفلسطينيّ في لبنان، ليس من موقع الخصوصيّة المقبولة، بل من حالة "الاستثناء" القهريّة المرفوضة.

5- الهُويّةُ الهامشيّةُ ومشروعُ الأخوّة: نعرفُ أنّ المجتمع اللبنانيّ مجتمعٌ متعدّدٌ بنيويًّا. وينتقص من المواطنة عندما يتيح المجال الخاصّ للانتماء الطائفي. ويبدو أنّ حماية هذا المجال الخاصّ تستوجب إلغاء المجال العامّ، والتعدّي إلى المجالات الخاصّة الأخرى، تقبيح الغيريّات وتجميل الذوات، وأحيانًا تحضر هذه الحساسيّةُ، وللانتماء الأساسي لدائرة الوطنيّة والعربيّة الأوسع في انتماءٍ مشترك. إذا اعترفنا به هي مصالحةٌ مع الذات أوّلًا، قبل الآخر.

إذا أدركنا عمقَ الأزمة البنيويّة للنظام اللبناني، بدلًا من انفجارها وتشظّيها شرقًا وغربًا، لا بدّ من التعلّم من دروس التاريخ، وكما أكّد اتّفاقُ الطائف نفيه، ضرورةَ تعزيز الهُويّة الوطنيّة، على حساب الهُويّات الهامشيّة، ويكون بتكريس التعدّديّة فيها، ومن خلالها وليس تناقضًا لها، وثمّ الهُويّة العربيّة، والانتقال من المحيط الأضيق فالأوسع. بإعادة تعريف منطق الضعف والقوّة، وبدعة الحياد والصراع، وسياسة عليا تحدّدُ موقعَ العدوّ والصديق.. بل مكانة الأخ والنقيض!

وفي النهاية، الطيورُ تحملُ القشّ بمناقيرها، خاصّة التي أسهمت في ازدهار البلد، زرعت وبنت وشيّدت مداميكه عودًا وراء عود، لن يستطيع الانهيارُ وعواقبُهُ مواصلةَ إصرارها على بناء عشٍّ كبيرٍ على طريقِ وطنِها الموعود. طالما اكتشف الخديعة ولم تعد تعبأ بهذا التهديد / الفزّاعة.

صار المطلوبُ الانتقالَ من حالةِ الزعبرة إلى السياسة، ومن الإذلال إلى الكرامة، ومن سلاح الفزّاعة إلى استراتيجيّةٍ تشاركيّة، لتحقيق نقلةٍ نوعيّةٍ إنقاذيّةٍ تحمي الكيانيّةَ والسيادةَ اللبنانيّةَ والوجودَ والهُويّةَ الفلسطينيّةَ وحقّ العودة في الوقت ذاته، تحويل تحدّي الانهيار إلى سياسةٍ هجوميّةٍ نشيطةٍ وفاعلةٍ تقودُها قوى مؤثّرةٌ وصانعةٌ للقرار اللبنانيّ، من يجرؤ، أمامَ مجلسٍ نيابيٍّ جديدٍ، أن يطرح مشروعَ قانون "الأخوة اللبنانيّة - الفلسطينيّة" ينصُّ على الآتي:

"يُعاملُ اللاجئون الفلسطينيّون المسجّلون لدى وزارةِ الداخليّة كاللبنانيّين في جميع ما نصّت عليه القوانينُ والأنظمةُ النافذةُ المتعلّقةُ بحقوقِ العملِ والضمانِ الاجتماعي والتجارةِ والملكيّةِ العقاريّةِ والتعليمِ والصحّةِ... وغيرها، من الحقوق الإنسانيّة مع احتفاظهم بجنسيّتهم الفلسطينيّة حفظًا لحقّهم في العودة لديارهم الفلسطينيّة ورفضًا للتوطين، ويستثنون من الانتخابات النيابيّة (ترشيحًا وتصويتًا) ومن الوظائفِ في القطاعِ العام".

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق