نص ورقة أ. هيثم أبو الغزلان*، المُقدمة لمؤتمر "متحدون ضد التطبيع"

 


يحتلُّ الصراع مع الاحتلال "الإسرائيلي" موقعًا مركزيًا؛ فهو ليس احتلالًا للأرض، أو تدنيسا للمقدسات فقط، بل هو تهديد ليس لفلسطين وشعبها فحسب، بل يتعدّى ذلك إلى الأمة العربية والإسلامية... لقد مهّدت التراجعات الحاصلة بعد هزيمة (1967)، وإقرار البرنامج المرحلي (1974)، وتوقيع مصر لمعاهدة كامب ديفيد (1979)، وتوقيع اتقاقية أوسلو (1993)، وصولًا إلى الإعلان عن "صفقة القرن"، وما تلا ذلك من بروز التطبيع بشكل مُتقطّع وتدريجيّ وبطرق غير مؤثّرة، وصولًا إلى الإعلان العام المنصرم عن اتفاقيات علنيّة بين "إسرائيل" والإمارات العربية المتحدة، والبحرين، والسودان.. ما شكّل اختراقًا إسرائيليًا "للجبهة العربية" الرسمية بشكل علني، متجاوزًا في الوقت ذاته السقف الرسمي الذي حدده "القادة العرب" في قمّتهم في بيروت "السلام الشامل مقابل التطبيع الشامل".

فبعد فشل المفاوضات، واعتبار حكومة الاحتلال قيادة السلطة الفلسطينية بأنها غير ذي صلة بالمفاوضات، توجّه نتنياهو إلى اعتبار التطبيع مع الدول العربية أولوية له، وتحوّلت الأولوية من اعتبار تقدّم المفاوضات مدخلًا للتطبيع، إلى إيلاء الأهمية القصوى للتطبيع الذي قد "يؤدّي إلى التقدّم بالمفاوضات". واعتبر (%54) من "الإسرائيليين" خلال استطلاع نُشر في (2018)، أهمية إيلاء مسار التطبيع مع الدول العربية الأولوية على مسار المفاوضات مع الجانب الفلسطيني.

استفاد رئيس وزراء الاحتلال "الإسرائيلي"، بنيامين نتنياهو من وجود الرئيس السابق للولايات المتحدة الأمريكية، دونالد ترامب، بشكل كبير، وساعده على بلوغ مرامه في العلاقات مع بعض زعماء الدول العربية التّغيّرات الإقليمية المتسارعة، والتصنيف المشترك بضرورة مواجهة ما يسمى "الخطر الإيراني" (المزعوم)، ما عجّل في تحقيق الاختراقات في موضوع التطبيع مع عدد من الدول الخليجية، والذي يبدو أن اندفاعته العلنية مع وجود الرئيس الأمريكي جو بايدن، ستكون ربّما أقل من اندفاعته في الفترة المنصرمة، لاعتبارات عديدة لها علاقة بسياسة بايدن في المنطقة، والتبدّل في الأولويات بين الإدارتين الأمريكيتين السابقة والحالية. وكذلك الاعتبارات العديدة لبعض الدول العربية، ومنها السعودية التي وإن أشير إليها برغبة وقبول لتطبيع بعض الدول، لكنّها ولأسباب عديدة داخلية، لها علاقة بمراكز القرار والنفوذ داخل المملكة، ولطبيعة دورها، وطبيعة قراءتها لموقعها يتأثّر حسمها لقرارها في المضي باتجاه حسم تطبيعها العلني الواضح والصريح. وتبدّى سياق ما سبق، من خلال الإعلان والتأكيد "الإسرائيلي"، من جهة، ونفي سعودي لزيارة رئيس الوزراء "الإسرائيلي"، بنيامين نتنياهو، واجتماعه في (2020-11-22)، بولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، في السعودية.

إن سياق الأحداث واللقاءات العديدة العلنية، أو السرية، بين قادة من الاحتلال "الإسرائيلي"، وقادة من دول خليجية، خلال السنوات المنصرمة، يشير إلى سعي واضح ورغبة مشتركة لدمج "إسرائيل" في المنطقة، بعدما بات ينظر إليها البعض كشريك في مواجهة التحديات العديدة في المنطقة.

فسياق التطبيع يشير إلى رغبة في تشكيل حلف لمواجهة "الخطر الإيراني" ومحاربة "الإرهاب"، بناء لوجود مصالح مشتركة بين الجانبين، في مجالات كثيرة كالبيئة والطاقة والأمن والمياه..، يُؤكّد ذلك ما نُقل عن بنيامين نتنياهو في (2017) أنّ كثيرًا من الدول العربية لم تعد ترى في "إسرائيل" عدوًا لها. وهو ما يلتقي مع ما نُسب إلى وزير الخارجية العُماني، يوسف بن علوي في (2018)، أنّ الأوان قد آن لمعاملة "إسرائيل" مثل أيّة دولة أخرى في المنطقة.

لم يعد مقبولًا الاكتفاء بتعريف التطبيع وسبل مواجهته فقط؛ فمساحة الاختراق، والإمكانيات المتعدّدة، والنفوذ الواسع التي يمتلكها "المشروع التطبيعي" بهدف تحقيق التطبيع الشعبي تجعل منه قادرًا على الفعل الواسع والشامل في أحيان كثيرة، والتأثير المحدود في المحيط الشعبي، بخاصة الخليجي. وهذا يعني أنه يجب عدم الركون إلى النتائج الإيجابية الشعبية الرافضة للتطبيع في مصر والأردن على سبيل المثال، مع التأكيد على أهميتها وضرورة تطويرها. بل يجب البناء لتطوير هذا الرفض والعداء ليس فقط للتطبيع مع الكيان، بل لبثّ روح العداء ضدّه، والتأكيد على ضرورة ووجوب مقاومته، وإعادة الصراع إلى مربّعه الأوّل أنّه صراع على الوجود، واعتبار أن الكيان "الإسرائيلي" يشكل خطرًا على الأمن القومي العربي، وهو العائق الأبرز أمام وحدة الشعوب والأمة، وبقاؤه يعني تكريسا للتجزئة والتخلّف، وأحد الأسباب المانعة لنهضة الأمة وتقدّمها.

----------------------------

*أمين سر العلاقات في حركة الجهاد الإسلامي في لبنان