والله زمن يا سلاحي!


  

طلال سلمان

من زمان كفت أم كلثوم عن الغناء، ولم يعد ملايين المعجبين يمضون أمسيات الخميس الأول من كل  شهر مع صوتها النهر بكل ما يزخر به من لوعة وجوى واشتياق وحنين وأسى وبهجة وفرح طفولي ودهشة وتعبير صادق عن الحياة بمعناها الأوسع والاشمل.

لكنها قبل ذلك بكثيرر كانت قد استقرت- اسماً وصوتاً ورمزاً وحدوياً مضيئاً- في الوجدان القومي لهذه الأمة، يحتسبها الجميع بين الأدلة الملموسة على وحدة العرب.

ففي اللحظة التي نجحت فيها تلك الفتاة الريفية في التعبير عن مصر، روحاً وفكراً، شمساً ونيلاً، طيناً وبؤساً، أصالة وتراثاً حضارياً باقياً، فقراً مدقعاً وشغفاً بالحياة غير محدود…

في تلك اللحظة بالذات، ولهذه الأسباب بالذات، بدأ تعامل العرب معها على أنها “زعبمة” وليست مجلاد مطربة.

ولم يكن الإعجاب وحده هو مصدر الاكبار والتقدير والعاطفة العارمة التي خص بها العرب أم كلثوم، فقبلوها واستقبلوها وحبوها وهتفوا لها في مختلف أقطارهم، بل كان وعيهم السياسي المبهم والذي أخذ يتبلور حتى وصل إلى صيغته الراهنة مع جمال عبد الناصر وبه، يفرض عليهم هذا التهيب في تعاملهم معها.

ومع ثورة 23 يوليو، وبفضلها، اخترقت أم كلثوم الجدار بين العاطفة الشخصية والمشاعر الوطنية فتخطت صورة المرأة والمغنية لتجسد في صوتها العظيم الأرض والسنبلة وهدير المصانع الجديدة واصرار الشعب المقهور على استعادة كرامته وحريته وأرضه السليب.

لم تبق أم كلثوم فقط “يا ظالمني” و”رباعيات الخيام” و”أهل الهوى”، على روعة هذه الألحان ونجاحها في ملامسة مكامن النفس ولواعجها، بل صارت أيضاً “والله زمن يا سلاحي”، بكل ما يمثله هذا النشيد المقاتل ويرمز إليه ويعنيه لأمة مناضلة.

ومن زمان انتهت أم كلثوم “الفرد”، وحلت محلها أم كلثوم “الحالة” و”الظاهرة” و”الرمز”.

ومن يومها سجلت نصرها الكبير على الموت… فالرموز، مثل الشعوب لا تموت.

وأم كلثوم باقية معنا ما بقي وجداننا وشعارات نضالنا الطويل والمرير.

نشر هذا المقال في جريدة “السفير” بتاريخ 4 شباط 1975