الكوجيتو اللبناني: انت طائفي، اذا انت حقير

 


نصري الصايغ

قلت: تمرَس باليأس. كُفً عن الشكوى. تعبت الناس من معاقرة المأساة. لبنان: هذا هو. كلما تغير ازداد سقوطاً. إنه كيان عاجز عن بلوغ الدولة. يتعامل اصحابه المزمنون مع سكانه على انهم اتباع او خدم، ولا يتذمرون ابداً.

قلت: اعترف بما أنت عليه. أفصح عما تعرفه عن جد. تخلص نهائياً من لبنانيتك الغلط. فأنت لم تكن لبنانيا ولا مرة في حياتك. اعترف أن لبنان ليس لك وأنت لست منه. حدًث قراءك الذين تحترمهم، بأنك اضعت وقتا وحبراً وأنت تتوقع أن بلدك الذي تحبه هو ضدك، منذ ولادتك، وسيظل مُلكا لأصحابه الذين توارثوه منذ اعلان الجنرال غورو، الأب اللا شرعي، ولادته واهداءه لآبائه الكثر: الموارنة والسنة ثم…

قلت: انني أحب هذا البلد الذي لا يُطاق. احبه، حتى ولو كان يرفض الاعتراف بي ابناً مواطنا فيه. لقد رفض أن يتبنًاني. وكثيرون مثلي، هم ابناء لا شرعيون، مطرودون عن المواطنة.

الذي يقهرني، انه يريد مني أن أُشهر ديني وطائفتي وأعلن انتمائي السياسي اليهما. وأنا ربيت على أني مواطن فقط، واريد أن يكون لي وطن وأكون له. عبث. هذا مستحيل.

حاولت أن أجد ممراً إلى الوطن. فشلت. حملت همومي المثقلة بطعم الهزائم، وتوجهت إلى المرحوم العلامة الشيخ محمد مهدي شمس الدين. استقبلني بود وابتسامة مقتضبة. سألني وأجبت. لم يكن ذلك دوري. أريد أن اكون السائل ليجيبني. تجرأت، وكان اتفاق الطائف ما يزال طازجاً، والزفة معقودة حول تطبيقه.

تجرأت على القول: “جئت اشكوك اليك”. قال: “خير انشالله” قلت: “إنك تمنعني عن وطني ” قال كيف؟ افصحت: يا صاحب السماحة، انا اريد أن اكون لبنانياً. امضيت عمري بلا لبنانيتي. قال: “إشرح”. تجرأت واعترفت: انا لا أنتمي لأي طائفة في لبنان. ومن مثلي لا يستطيع أن يكون لبنانياً.

قال لي بصدق واضح: هذا هو لبنان. كي تكون لبنانيا، يلزم أن تكون منتمياً إلى طائفة. “الممر الإلزامي للبنانيتك هو طائفتك”. قلت ولكني لا أرى أي علاقة بين انتمائي إلى طائفة، وقبولي كلبناني عادي. شرح مجدداً: “أنت كي تكون لبنانيا، عليك أن تفد إلى اللبنانية من خلال طائفتك.”

شكرته ولم أكمل الاسئلة. قال:” مؤسف… هذا هو لبنان”.

لقد كان واضحاً وصريحاً. للبنان اصحاب يملكونه. انه ملك طائفي. ورحت ابحث عن ممر آخر يفتح لي الطريق لأنتمي إلى لبنان… عبث. لا تحاول. الدولة والنظام والقوى الطائفية، ضدي، وضد كل كائن غير طائفي، حتى ولو وجد في مواد الدستور وبعض القوانين التي تمنح الكائن المدني والعلماني، حق الانتماء إلى المجتمع. بصفته لبنان فقط.

قررت أن انتقم على طريقتي. وضعت كتاباً بعنوان: “لست لبنانياً”. رفض الصديق المرحوم رياض الريس هذا العنوان. قال لي بود شامي لطيف “والله عيب”. قلت له افدني بسواه قال: “العنوان ليكن كالتالي… لست لبنانيا بعد”. توافقنا. هو ارتاح وانا على مضض. لأني كنت اشعر بمرارة أن لا اكون لبنانيا تاماً… مرة، اعلنتها ابان حلقة نقاش تلفزيونية. فاستغربت المذيعة ولم تفهم قصدي. قلت: اتعامل مع لبنان كمكان اقامة واهتم بقضاياه ومشاكله كخبير أجنبي، يتقن العربية.” ضحكنا معا. ضحكي انا كان مؤلما لي، وكاذباً.”

حاولت، متفائلا، أن أجد من يفتح معي كوة في هذه الاسوار السميكة التي تزنر البلد وتمنع عنه كوارث العنف الطائفي، والفساد الطائفي، والعهر السياسي… إلى آخر معزوفة الشتائم الفجة التي يستحقها النظام واهله واتباعه.

التقينا مجموعة من المهتمين في مركز تابع للمطران العلماني غريغوار حداد، قديس الدين السياسي العلماني والانساني. تداولنا. تداخلنا… إلى أن اقترح الأستاذ طلال الحسيني مشروعاً تأسيسياً لوطن علماني، من خلال ما تتيحه مواد الدستور اللبناني والقوانين اللبنانية. تحمست. سنشق طريقا للبنان. من خلال شطب الاشارة الطائفية من سجل النفوس. الطفل الوليد لا دين له. هو لا يعرف شيئاً عن الدين. ومع ذلك يلزم بوصمة طائفية. بوصمة لا علاقة لها بالدين بل بالسياسة.

حققت الحملة، برغم المصاعب، نجاحاً نادراً. قامت القيامة. وزراء داخلية شجعوا ووافقوا، ووزراء كان جوابهم لي: “اتريد يا نصري أن تضع كل رجال الدين في رقبتي… والله سيخنقونني”. تذكرت المحاولة اليائسة التي كان أقدم عليها الرئيس الياس الهراوي، حول مشروع ” الزواج المدني الاختياري”. فاز بالتصويت، وسقط تحت وقع الاصوات في الشارع والتهديد بالفتنة. وكنت اظن أن رجال الدين تبرعوا بذلك، بحكم تربيتهم وثقافتهم وتوجهم. بعد حلقة تلفزيونية أخرى، لجئت قليلا في الموضوع، فهاتفني الهراوي: ما شهدت به يا استاذ، سلامة فهمك. الذي قرر الاعتراض هو المملكة السعودية، واستجاب لها رئيس الحكومة الشيخ رفيق الحريري… فصل انتهى، ومحاولة وئدت.

كان قد حدث من قبل، أن أقدم المحامي سامي الشقيقي بدعوى شطب الاشارة الطائفية عن سجلات النفوس. تجاوبت المحكمة مع هذه الدعوة واصدرت حكماً معللاً بليغاً وقانونياً يوافق على شطب الاشارة الطائفية. وقد جاء قرار القضاة الثلاثة مبرماً. ومع ذلك، فقد رُفض تنفيذ الحكم، ومات سامي الشقيقي قبل أن يصبح اول مواطن محرر من القيد الطائفي.

حتى الكتائبي جوزف ابو خليل، وهو الكتائبي المزمن والخبير، فقد كتب في مؤلفه “لبنان لماذا؟” ما يلي: “لبنان مشروع وطن لم يكتمل بعد… ولن يكون لبنان وطناً. الانتماء إلى لبنان مشروط بالانتماء إلى الطائفة. هكذا كان، هكذا هو الآن، هكذا هو في كل اوان آتٍ.”

يبدو أن علاج الطائفية يتم بالمزيد منها. الأزمة الراهنة والمرعبة وغير المسبوقة والمنذرة بالسقوط في الهاوية. معطوفة على انهيارات تامة، مالياً، اقتصادياً، تربوياً، قضائياً، سياسياً، طائفياً، الخ… لم تمنع طغمة الفساد الحاكم، من خوض منازلات طائفية ومذهبية من دون تحسس الطائفيين، أن شعب لبنان يجوع ويكفر ويلعن ويلتفت حوله عن خشبة خلاص، فلا يجد الا جوقات الطائفيين، وهي تعزف على نغم رتيب: ” هذه لنا… هذه لكم… لا شيء البتة هو لنا ولكم معاً. المحاصصة قدس اقداس النظام. فانثروا عليها رائحة البوم. علاج الطائفية بالمزيد منها.”

وثبت، في خلال التاريخ اللبناني، أن الاحزاب العلمانية كافة، ” لم تفلح في التقدم خطوة في اتجاه الغاء النظام الطائفي”. لعنته وهجته ونامت في مخدعه. زنت معه. زنوا به. تورطت في الحروب الطائفية بجدارة لا عقائدية البتة. كان اتباعها وقوداً، كأتباع الطوائف. لذلك، صح ما قيل، ما أفصح القحباء عندما تحاضر في العفاف. الاحزاب العقائدية العلمانية لم نناضل من اجل قضية العلمنة، لا نها سعت إلى أحلاف خاسرة، مع احزاب الطوائف وقياداتها الحريصة على تراث الطائفية ومكاسبها.

إن الطائفيين السياسيين لا يؤتمنون الا لما لهم. أما الاحزاب العلمانية، فلا تؤتمن لما لها.

لهذه الاسباب وسواها، أعلن انني لست لبنانيا… ولن اكون.

وأعلن كذلك، أن ليس في لبنان مواطنون ابداً… اما المهزومون من العلمانيين الحقيقيين، فوعيهم المتقدم يظهرهم امام الدهماء انهم يرقصون رقصة الهنود الحمر، قبل يبادوا.

أخيراً، فلنتعلم “الكوجيتو” اللبناني جيداً: ” انا طائفي، اذن انا موجود”.

وفي الخلاصة، لقد فاز الطائفيون فوزاً مدمراً، وفشل العلمانيون فشلاً عدمياً.

ثمن الطائفية في مئة عام، هو هذا الركام. لبنان، بطائفيته، يفتخر كل يوم، فأدوا واجب الاحتقار لكل طائفي، صغير او كبير، لأنه جدير بذلك. كل طائفي، هو بقامة حذاء يلبسه كبير السلالة الطائفية المتوارثة.

للأسف الشديد، لسنا محكومين بالأمل.