شباب فلسطينيي الخارج .. الواقع والطموح



 محمد أبو ليلى/

باحث في الشأن السياسي الفلسطيني

لقد مرّت القضية الفلسطينية ومنذ ما قبل النكبة وبعدها، بظروفٍ قاهرة، مستعصية، كادت أن تودي بمستقبلها، وتفقد مكانتها، في العالمين الإسلامي والغربي، لولا لطف الله اولاً، ومن ثم حركة التغيير والدماء الجديدة الشبابية التي ضخها الشعب الفلسطيني على مر زمن ثورة البراق والقسام و الانتفاضتين الاولى والثانية، قدّم فيها الشاب الفلسطيني نموذجًا للتضحية والشهادة والفداء، راسمًا لوحة من العز والكرامة والشهامة، مسطرًا للتاريخ أروع معاني البطولة.

ويشهد التاريخ الفلسطيني، أن جلّ قادة المقاومة أو حركات التحرر الوطني و الفصائل الفلسطينية كانت تنبع قيادتها من الأطر الشبابية والطلابية على وجه التحديد.

فالشباب الفلسطيني، باندفاعهم، ووعيهم، وتفكيرهم، وعواطفهم، وإدراكهم لأهمية القضية التي يحملونها، دفعت كل تلك العوامل إلى صياغة مكوّن اجتماعي وسياسي وثوري، ساهم في نشوء حركة تحررية تجاه الكيان "الإسرائيلي" المحتل من جهة، وصناعة دور شبابي ريادي وقيادي في تدعيم هويته الفلسطينية وانتمائه ومكانته المجتمعية من جهة أخرى.

تجاوز اتفاق أوسلو الكارثي

إلا أن الحقيقة المرّة، التي أدت إلى انتكاسة دور الشباب تاريخيًا، وخاصة عندما نتحدث عن شباب فلسطينيي الخارج، تكمن باتفاق أوسلو، الاتفاق الذي قضى على صلة الوصل بين الداخل والخارج، وأدى إلى تهميش فلسطينيو الخارج وتحديدًا فئة الشباب التي يشكل فيها قرابة الـ 30% من مجموع الشعب الفلسطيني (7 مليون لاجئ فلسطيني يسكن خارج فلسطين).

ومع ذلك، ومع انطلاق شرارة الانتفاضة الثانية عام 2000، ومسيرات العودة الكبرى عام 2011، والحروب التي شنها الكيان "الاسرائيلي" على قطاع غزة (2008 -2012 – 2014)، برز الشباب الفلسطيني في الخارج وخاصة في دول الطوق وأوروبا كقوة بشرية لا يستهان بها، تتمتع بوعي والمام عالٍ، ولديها من الإمكانات والقدرات على التحرك والمبادرة والتأثير على الكيان "الإسرائيلي" (حملة المقاطعة – مبادرات شبابية لدعم مقومات صمود الشعب الفلسطيني في غزة والقدس – شباب ضد التطبيع – شباب ضد صفقة القرن .. الخ).

مميزات شباب فلسطينيي الخارج

ومما يميز شباب فلسطينيي الخارج، روح الإبداع والتفاني والعبقرية. وقد نتج خلال العقدين الماضيين رغم التحديات العاصفة نماذج شبابية علمية واكاديمية يرفع لها القبعة، طوّرت من أدائها العلمي والأكاديمي وفي مجالات مختلفة، منها سياسية وقانونية وعلمية وثقافية انعكست ايجابًا على القضية الفلسطينية وخاصة لجانب الوعي التراكمي في جعل القضية الفلسطينية حيّة لا تغيب، رغم الصعوبات وانعدام مقومات الصمود والتحديات المادية والمعنوية والقانونية.

ومما يميزه أيضًا، أنه مواكب لعصره، ومنفتح على التطور التكنولوجي الرقمي وسرعة انتشاره حول العالم، وبالتالي استطاع أن يسخّر كل إمكاناته وطاقاته العلمية والمعرفية إلى خدمة القضية الفلسطينية بأبعادها السياسية والقانونية، وكان لها التأثير البالغ على الكيان "الإسرائيلي"، الذي فُضحت ممارسته العنصرية و الإحلالية والاجرامية بحق الشعب الفلسطيني،دفعت العديد من مواقع التواصل الاجتماعي وخاصة "الفيس بوك" إلى مراقبة المحتوى الفلسطيني ووضع معايير قاسية وحذف عشرات الصفحات الفلسطينية.

ابداع شباب فلسطينيي الخارج

ومن رحم البيئة الطاردة التي يعاني منها مئات آلاف اللاجئين الفلسطينيين، وارتفاع نسبة البطالة والفقر، والحصار والجوع، والهجرة إلى المنافي، خرج منها ابداع الشباب الفلسيطيني، ونقلوا من خلالها هموم وشجون وتطلعات ومعاناة الشعب الفلسطيني إلى العالم. هذا الابداع الفلسطيني الذي لا يقل أهمية عن المواجهة في الميدان، استطاع أن يصوّر للعالم أجمع الصورة العظيمة والمشرقة لأعظم قضية يحملها شبان وشابات قرروا السير في دروب التميز والارتقاء بالقضية الفلسطينية من خلال منابر مختلفة من الثقافة والعلم والرياضة والأدب وغيرها، لتصل فلسطين إلى العالمية على أكتاف شبابها الناجح والمتفوق. وربما لا يسعفنا في هذا المقال للحديث والتوسع أكثر عن الإبداعات التي حققها الشباب الفلسطيني، ولكن نستطيع القول أن الشباب الفلسطيني المنتشر في الشتات، استطاع أن يقدم نموذجًا راقيًا من الابداع، وهو محل فخر واعتزاز لكل احرار العالم.

حراك سياسي فصائلي .. لا يلبي طموح الخارج

بعد خمسة عشرة عامًا على الانتخابات الفلسطينية (2006)، أقر أخيرًا تاريخ روزنامة الانتخابات التشريعية والرئاسية والمجلس الوطني الفلسطيني. دفعت الفصائل الفلسطينية إلى الاجتماع في القاهرة في 8-9/شباط 2021، للاتفاق على بنود ترتيب البيت الفلسطيني الداخلي والانتخابات الفلسطينية في (قطاع غزة – الضفة الغربية والقدس).

وأمام حالة التخبط السياسي بتقدير الكثيرين، وعدم وصول الفصائل حتى كتابة هذه السطور إلى ما يحقق طموح فلسطينيي الخارج، نذكر المعنيين، أن هناك كتلة بشرية شبابية هائلة في الخارج، يجب أن يتم الاستفادة منها، وتسخير كل الامكانات لاستيعابها، وضرورة إقرار ما يسد رمقها، ويدعم من مقومات صمودها، ويدفع باتجاه تمثيلها بكافة الاطر الفلسطينية، والعمل على إنشاء إطار شبابي فلسطيني عالمي، يوصل الداخل بالخارج، يعمل على تعزيز الوعي الجمعي والمساهمة في دعم الشباب الفلسطيني. إن تهميش عنصر الشباب، خسارة كبيرة للقضية الفلسطينية ومستقبلها، وآن الآوان للتفكير جديًا، برعاية فئة الشباب والاهتمام بهم ودعمهم أمام الامواج العاتية التي أدت خلال العقود الماضية إلى هجرة الآلاف في غياهب الدول وضياع مستقبلهم ومكانتهم.

ختاماً، إن شباب فلسطينيي الخارج يشكلون اليوم وعلى امتداد العالم أجمع، طاقة علمية وثقافية وسياسية وفكرية لا يستهان بها، وإن عدم رعاية هذه الفئة الضخمة وإطلاق مشاريع ومبادرات عمل لاستيعاب إمكاناتهم وقدراتهم وتسخيرها في خدمة القضية الفلسطينية، يعني أن مستقبل القضية في خطر، وأنه الآوان للعمل على تأطير قيادة شبابية فلسطينية، تساهم وتشارك في صناعة القرار الوطني الفلسطيني وتنشئ مظلة لشباب فلسطينيي الخارج، تقوم على تعزيز من مقومات صمودهم وتفتح لهم ٱفاق وفرص لوضع بصمة استراتيجية في معركة التحرير والعودة.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق