إيكونوميست: على عباس وحماس التخلي عن السلطة وفتح الباب أمام وجوه وأفكار جديدة

 

تحدثت مجلة “إيكونوميست” البريطانية، عن الانتخابات الفلسطينية وضرورة تغيير الوجوه. وقالت إن الكثير من الفلسطينيين كانوا صغارا لتذكر السنة التي تولى فيها عباس السلطة عام 2005.

وينتخب الرئيس الفلسطيني لمدة 4 أعوام على فترتين، لكن محمود عباس لم يعقد انتخابات أخرى، وبقي في الحكم منذ ذلك الوقت، وربما ينتخب لفترة جديدة في الانتخابات الرئاسية المقبلة. فقد أعلن عباس في 15 كانون الثاني/ يناير عن أول انتخابات في المناطق المحتلة منذ 15 عاما.

وعبّر الكثير من الفلسطينيين عن شكوكهم؛ لأن الدعوة للانتخابات هي عادة لعباس الذي يكره تعريض قبضته على السلطة للخطر. وتقول المجلة إن عباس ربما كان جادا هذه المرة، فعلى خلاف الدعوات السابقة، فقد حدد موعدا في أيار للانتخابات التشريعية، وللرئاسية في تموز/ يوليو.

وتضيف المجلة أنه “حتى لو نظمت الانتخابات فلن تجلب الكثير من التغيير؛ لأن عباس قد يكون المرشح الوحيد لمنصب الرئيس. ومن هنا فإعلانه لا يعكس رغبة بوجوه طازجة أو مسار جديد. وهي لفتة للرئيس الجديد في واشنطن بعد سنوات من المعاناة في ظل إدارة دونالد ترامب، حيث لم تصل فيها العلاقات مع الولايات المتحدة إلى هذا المستوى من السوء منذ ثمانينيات القرن الماضي. ويأمل عباس ببداية جديدة مع بايدن، لكن أمله قد يخيب نظرا لانشغال الإدارة الجديدة، ولعدم وجود وقت للدخول في الدبلوماسية المغلقة بين إسرائيل والفلسطينيين".

ورغم دعم ثلاثة من أربعة فلسطينيين للانتخابات، إلا أنهم ليسوا متحمسين للخيارات المتوفرة أمامهم. ووجدت دراسة استطلاعية نظمها في كانون الأول/ ديسمبر، مركز استطلاعات مهم، أن نسبة 60% من الفلسطينيين تريد استقالة عباس الذي قد يخسر أمام إسماعيل هنية زعيم حركة حماس في غزة.

وربما لن تقدم حماس مرشحا، فتجربتها في الحكم كانت كارثية. وتحولت عزة الواقعة تحت حصار "إسرائيلي" ومصري إلى سجن مفتوح يعيش فيه أكثر من مليوني نسمة. ومن الأفضل الحفاظ على عباس كغطاء بدلا من تحمل مسؤولية الضفة الغربية أيضا. ولا توجد هناك وجوه قوية لتحدي عباس، وربما كان مروان برغوثي الوجه الوحيد القادر على هزيمة عباس والزحف منتصرا نحو الحكم، لكنه في سجن "إسرائيلي" ويقضي عددا من المؤبدات بسبب دوره في الانتفاضة الثانية.

أما بالنسبة للبرلمان الذي ظل معطلا لأكثر من عقد؛ بسبب الخلاف بين حماس وفتح. فقد قالت نسبة 34% من الفلسطينيين إنهم سيختارون حماس، و38% سيختارون فتح، مع أن حماس فازت في انتخابات 2006 بنسبة 44%.

ومالت بقية المشاركين في الاستطلاع للتصويت إلى جانب أحزاب ثالثة أو أنها لم تقرر بعد. ولو استطاعت حماس الحصول على أصوات جيدة، فستحصل على موطئ قدم لها في الضفة الغربية التي تعرضت فيها لضربات من "إسرائيل" والسلطة الفلسطينية. ويعارض الكثير من رجال الرئيس عقد الانتخابات، وهو قرار يحمل الكثير من المخاطرة لعباس، ولكنه يأمل بالحصول على تفويض جديد وبادرة حسن نية من واشنطن.

 ومن الصعب التذكر الآن أن العلاقات مع ترامب بدأت ودية، فبعد لقائه في البيت الأبيض في أيار/ مايو 2017، قال عباس له: “معك، لدينا أمل” لكن العلاقة انقطعت بعد قرار ترامب الاعتراف بالقدس عاصمةً "لإسرائيل"، ونقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إليها.

وساءت الأمور في 2018 عندما قطع ترامب الدعم عن السلطة الفلسطينية، وأوقف برامج تدريب وتسليح قوات الأمن الفلسطينية، وكذا قطع الدعم عن منظمة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين التابعة للأمم المتحدة (أونروا). وأغلق القنصلية الأمريكية في القدس التي كانت تخدم المصالح الفلسطينية. وفي 2020، أعلن ترامب عن “صفقة القرن” المنحازة "لإسرائيل".

وفاقم عباس المشكلة العام الماضي، عندما توقف عن رفض “أموال المقاصة”  التي تجمعها "إسرائيل" للفلسطينيين كضريبة. وذلك بعد تلويح نتنياهو بضم أجزاء من الضفة الغربية.

وتغطي الأموال هذه نسبة 60% من ميزانية السلطة، وبدونها لا يمكن دفع رواتب العاملين في المؤسسات المدنية. وتم تخفيض رواتبهم للنصف، حيث قبل بعضهم هذا كنوع من التضحية لقضية عادلة. لكن اتفاقيات التطبيع مع الإمارات أدت لوقف الضم. ورفض عباس التخلي عن قراره بدون نصر دبلوماسي، ولكنه تراجع بهدوء في تشرين الثاني/نوفمبر بعد معاناة الاقتصاد الفلسطيني، خاصة أن 1 من 6 فلسطينيين يعمل مع الحكومة التي تدفع رواتب أحسن من القطاع الخاص.

وارتفعت نسبة البطالة إلى 19% في 2020، من 13% عام 2019. ومن هنا كان انتصار بايدن بمثابة هواء جديد. ويجب عدم التعويل كثيرا على التغير في المواقف الأمريكية. فقد وعد بايدن بإعادة العلاقات والدعم للفلسطينيين، ولكنه لن يلغي الكثير من القرارات التي اتخذها سلفه.

وكان هذا واضحا في جلسة المصادقة على وزير الخارجية الجديد أنتوني بلينكن، حيث سُئل عن السفارة الأمريكية في القدس، وأجاب بشكل واضح أنها باقية “نعم، نعم”. ولا يعتبر الرئيس الجديد صانع معجزة، فهو لا يستطيع إنهاء الخلاف بين الفلسطينيين، أو وقف النزاعات الصقورية في السياسة "الإسرائيلية". وقضى الأمريكيون ثلاثة عقود لتسوية النزاع لكنهم فشلوا، حتى الرؤساء من أصحاب النية الحسنة.

 وجدول بايدن حافل، ولديه رأسمال سياسي محدود، ولا وقت لديه للتسوية السلمية. وتتراوح مواقف الفلسطينيين حول المستقبل، وهناك نسبة 2% تؤمن بدولة فلسطينية بعد خمسة أعوام، فيما ترى نسبة أخرى أن الوضع القائم سيستمر. وتدعم نسبة 63% المقاومة الشعبية السلمية، ونسبة 44% تدعم المقاومة المسلحة، و44% تدعو لحل السلطة الوطنية، ونسبة 29% تدعم التخلي عن فكرة حل الدولتين والدفع باتجاه دولة ثنائية القومية بين نهر الأردن والبحر المتوسط.

وسيجد هذا الخيار الأخير، مقاومةً في "إسرائيل" مثل خيار الانتفاضة واستخدام العنف الذي سيؤثر على مواقف الرأي العام من الفلسطينيين في الخارج و"إسرائيل".

والنقاش الحاضر في مقاهي الضفة الغربية أن عباس قد يفوز بفترة أخرى، لكنه لن يقدم سوى الأفكار المكررة التي لم تغير من الواقع خلال 16 عاما حكم فيها.

وعلقت المجلة في افتتاحيتها أن الحل هو تخلي عباس، وفتح المجال أمام قيادة جديدة في الضفة الغربية وقطاع غزة. وقالت إن الفلسطينيين يستحقون أفضل من حركتي فتح وحماس.

وأشارت إلى قرار الرئيس الفلسطيني رفض “المقاصة” وما جلبه من أزمة على الفلسطينيين، بأنه مثال عما يحدث من القيادة في المناطق المحتلة. ومع أن "إسرائيل" تتحمل مسؤولية كبرى عن معاناة جيرانها، إلا أن الألم تفاقم من السياسات التي يتخذها القادة الفلسطينيون.

فالقادة العنيدون الذين يحكمون الضفة الغربية وغزة، يبدو أنهم منشغلون بالحفاظ على سلطتهم أكثر من تحسين حياة المواطنين، وتقول المجلة: “يستحق الفلسطينيون” أفضل من هؤلاء.

وتعلق المجلة أن السلطة الفلسطينية التي تحكم الضفة الغربية أصدرت في الآونة الأخيرة عددا من القرارات، كاستئناف التنسيق الأمني مع "إسرائيل"، وإصلاح سياساتها بدفع المساعدات لعائلات الأسرى الفلسطينيين لدى "إسرائيل"، والتي يراها المسؤولون الأمريكيون بأنها “رواتب للقتل”، والأهم من كل هذا هي دعوة عباس إلى انتخابات تشريعية ورئاسية.

وتساءلت المجلة: “هل يمكن لأحد الثقة بعباس؟ فهو في السنة الـ17 من الولاية الرابعة له كرئيس، وأعلن عن انتخابات في السابق ليلغيها، ولو عقدت فستكون بشكل محتمل عملية تقطيب بين حركتي فتح وحماس التي تدير غزة. وكشف العقد ونصف الماضي أن أياً منهما لا يصلح للحكم. وكانت آخر مرة ذهب فيها الفلسطينيون لصناديق الاقتراع في 2006 حيث هزمت حماس فتح في الانتخابات التشريعية".

 ووصفت المجلة الوضع في الضفة وغزة بأنه “نظام الحزب الواحد”. ففي غزة يعتبر الوضع سيئا، مع أنه في الضفة أفضل بقليل، رغم أن عباس يحكم عبر المراسيم الرئاسية وبدون أي ملمح للمحاسبة.

ومع أنه في سن الـ85 عاما، إلا أنه يرفض تحضير خليفة له أو تعجيل رحيله والخروج من الحكم. فالرئيس ومجموعة كبار السن حوله لا يبعثون على الثقة حتى من الحلفاء المفترضين.

 وتتهم المجلة "إسرائيل" بأنه “تقوم بتغذية الخلل الفلسطيني”، وتصفه بأنه “أمر مخجل”. فحصارها على غزة بالتعاون مع مصر، حول المنطقة إلى “سجن مفتوح".

وتجاهل نتنياهو العملية السلمية، وقال منافسه الشعبي جدعون ساعر إن حل الدولتين هو مجرد “وهم”. ولهذا السبب هناك عدد غير قليل من الفلسطينيين يفضلون مواجهة "إسرائيل" بالقوة وعبر انتفاضة.

وتزعم “إيكونوميست” أن "إسرائيل" “لا تتحمل مسؤولية فشل حماس وفتح في عقد مصالحة”، كما أن حصارها للفلسطينيين ليس السبب الرئيس في الحياة القاتمة التي تواجههم. وتقول إن المشكلة تنبع من القادة الذين خذلوا شعبهم.

ووعد جوزيف بايدن بإعادة المساعدات للفلسطينيين والعلاقات الدبلوماسية التي قطعها دونالد ترامب. وما يمكن فعله قليل لهم طالما ظلت لديهم قيادة رهيبة. وعلى عباس وقادة حماس التخلي عن السلطة وفتح المجال أمام وجوه جديدة وليست ملوثة.

ويجب أن يحصل الفلسطينيون على انتخابات حرة وفرصة عادلة لاختيار الحكومة الجديدة، مع أن هذه ليست ضامنا لتحسين الأوضاع.

ولا تعطي نتائج الاستطلاعات صورة واضحة، وربما وجد الكثير من الناخبين التشدد جذابا. وفرصة التغيير الحقيقي تظل منعدمة طالما لم يتخل قادة اليوم عن السلطة. ومن حق الناخبين اختيار حكومتهم وطردها بعد أربعة أعوام لو فشلت.