في يوم القدس العالمي الضفةُ درعُ القدس


بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي
وفق الله عز وجل منظمي فعاليات يوم القدس العالمي لهذا العام لاختيار شعار "الضفة درع القدس"، ليكون هو الشعار الجامع لكل الأنشطة والفعاليات المنوي عقدها وإقامتها في مختلف الساحات، ولتكون بمدنها وبلداتها وقراها ومخيماتها محل اهتمام الأمة العربية والإسلامية ومحط أنظارها، إذ سيُرفع اسمها في فعاليات يوم القدس العالمي على مستوى العالم كله، وستُرسم خارطتها، وسيُحدد مكانها، وسيُذكر أهلها وسُيعرف أبطالها، وستُسلط الأضواء على تاريخها، وعلى العمليات الجهادية التي قام بها مقاوموها، وسيعرف المسلمون في كل مكانٍ قدرها ومكانتها، ودورها وأهميتها، وثباتها وصمودها، ومقاومتها ونضالها، وتضحياتها وعطاءاتها، ومعاناتها وآلامها.
 
وسيعلمون من خلال فعاليات يوم القدس العالمي التي ستجوب دول العالم كله، أنها ليست مجرد أرض ومساحة جغرافية، وإن كانت لا تختلف عن غيرها جبالاً وهضاباً، وسهولاً ووهاداً، وزروعاً وأشجاراً، وإنما هي أرض مباركةٌ مقدسةٌ، عَزَّ سكانها، وشَرُف أهلها، وسما ذكر رجالها، وتخلدت سير من عاشوا فيها وعمروها، فهي أرض الأنبياء وموطن الرسل عليهم السلام، إبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام، وغيرهم ممن ورد ذكرهم في الكتب السماوية وفي الروايات التاريخية، وفيها تتربع مدينة القدس بأقصاها ومسراها، وقبة صخرتها المشرفة ومعراج رسولنا الأكرم محمد صلى الله عليه وسلم إلى السموات العلى.
 
جزى الله منظمي فعاليات يوم القدس العالمي خير الجزاء، الذين أطلقوا على الضفة الغربية هذا الاسم، وأرادوه شعاراً عاماً وإطاراً موحداً، تلتقي عليها الجهود وتتوافق حولها الطاقات، فهي بحق تستحق هذا الوصف، وتستأهل بجدارة هذا اللقب، فقد أثبتت في السنوات الأخيرة أنها قلب فلسطين النابض، وجمرتها المتقدة التي لا تخبو، ونارها المشتعلة التي لا تنطفئ، وثورتها المستمرة التي لا تضعف، ومقاومتها الأبية التي لا تلين، ورجالها الأبطال الذين لا يخافون، وأهلها الكرام الصابرون الذين لا يجزعون، وشبانها الشجعان الذين يهبون للثأر ولا يتأخرون، ويعجلون في الانتقام ولا يترددون.
 
ضفة الفلسطينيين الغربية التي ظنها العدو أنها أصبحت غنيمةً له، وأرضاً سائبةً سهلةً له، يقتسمها كقطعة جبن، ويقطعها بسكينه كالزبدة الطرية، ويضطهد أهلها ويصادر أرضهم، ويقتل رجالها ويعتقل أبناءهم، ويزيد فيها مستوطناته ويضاعفها، ويوسع على مستوطنيه ويضيق العيش على أهلها، فوجئ بها تنهض من تحت الرماد جمراً لاهباً، وتهدم الجدران وتقتحم الحواجز والأسوار كطوفانٍ ثائرٍ، ويخرج أبناؤها من أكمامها كماةً يقاتلون، وأبطالاً يقاومون، وكتائب يشكلون، وعملياتٍ بطوليةٍ ينفذون، وإلى عمق الكيان يصلون، وأكباده يفتتون، وقلوب مستوطنيه يُحَسِّرون.
 
"الضفة درع القدس" بحقٍ، وتستحق هذا الوسام بشرف، فرجالها ونساؤها إلى المسجد الأقصى يشدون الرحال، وفيه يرابطون وعنه يدافعون، وفي سبيله يجاهدون وفي رحابه يستشهدون، ودوماً يلبون نداء القدس كما مسجدها، ويهبون لنجدة أهلها وبلداتها، فما قصروا يوم أن اندلعت معركة "بوابات المسجد الأقصى"، ولا سكتوا عن إجراءات سلطات الاحتلال التي حاولت منعهم من الوصول إلى المسجد والصلاة فيه، فعملوا المستحيل وتحدوا العدو وقهروه، وواجهوه وغلبوه، ونقبوا الجدار ومنه دخلوا، ونبشوا الأرض وتسلقوا الأسوار، حتى غدوا مئات الآلاف في بهو المسجد وباحاته.
 
لا يغيب أهل الضفة الغربية عن معارك القدس أبداً، ولا يتركونها وحدها في مواجهة المحتل الذي يهودها ويشطب هويتها، ويطرد أبناءها ويهدم بيوتها، ويغتصب حقوقها ويصادر ممتلكات أهلها، بل يقفون معها ويساندونها، وينبري إليها أبناؤها لنصرتهم والعمل معهم، ويهبون لنجدتها ليكونوا فعلاً درعها الحامي وقوسها الضارب، فهي تحتضن القدس وتحيط بها من كل مكانٍ، وهي تحميها وكأنها جنينها الذي تحمله في أحشائها، وتمده بكل أسباب القوة والحياة.
 
يغتاظ العدو مما تفعله الضفة الغربية، التي تفتدي القدس وتحميها، وتضحي من أجلها وتصونها، فنراه يحقد عليها ويصب جام غضبه على أهلها، ويحاول القصاص منهم والتضييق عليهم، وقتل أبنائهم وإعدام مقاتليهم، وهو لا ينفك يحاول تفكيك مجموعاتهم وهزيمة كتائبهم، ويعمل بكل السبل الممكنة لتجفيف منابعهم ونزع سلاحهم، وإحباط جهودهم وإنهاء مقاومتهم، لكن أبناء الضفة الغربية، وجلهم من الشبان والفتيان، الذي يضجون قوةً وحيوية، وتغلي دماؤهم غيرةً وحماسةً، يصدون العدو ويتحدون إرادته، ويجددون مقاومتهم كلما ضربت، ويعيدون تنظيم صفوفهم كلما تفككت، ويتجدد مقاتلوهم بدماءٍ شابةٍ قويةٍ، صلبةٍ وعنيدةٍ، تحبط العدو وتحزنه، وتعيد الأمل إلى الشعب وتفرحه.
 
مجدداً شكراً للجنة إحياء يوم القدس العالمي، التي عودتنا دائماً أن تبتكر في شعارتها، وأن تجدد في عناوينها، وأن تختار ما يناسب المرحلة ويخدم الأمة، وأن تطلق ما يقلق العدو ويربكه، فكما كان الشعار هذه السنة "الضفة درع القدس"، فقد سبقت شعاراتٌ معبرةٌ وعناوين لافتة، كان لها أثرها ودورها في تحفيز الأمة وتحشيد طاقاتها، فكان "القدس هي المحور"، و"القدس أقرب"، و"أوفياء للقدس"، و"الشهداء درب القدس"، و"القدس لنا"، و"سنصلي في القدس"، وغيرها من الشعارات التي نظنها تخدم القدس وأهلها، وتحفز الأمة كلها، وصولاً إلى اليوم الذي نلتقي فيه جميعاً في القدس، ونصلي صلاةً جامعةً في المسجد الأقصى المبارك.
 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق