المعارضة الفلسطينية وقضية التسوية من النقاط العشر إلى اتفاق أوسلو


  
أسامة خليفة
 باحث في المركز الفلسطيني للتوثيق والمعلومات «ملف»
كتاب «المعارضة الفلسطينية وقضية التسوية (الجبهة الديمقراطية نموذجاً)» هو الإصدار العاشر من سلسلة «من الفكر السياسي الفلسطيني المعاصر» التي تصدر عن المركز الفلسطيني للتوثيق والمعلومات «ملف»، الكتاب أطروحة أكاديمية لنيل درجة الماجستير في العلوم السياسية من جامعة القاهرة تقدم بها الباحث المصري أسامة أحمد أحمد مجاهد، اعتمد الباحث على تحليل نصوص الخطاب السياسي للجبهة الديمقراطية من 1993-1996، نموذجاً لخطاب المعارضة الفلسطينية، متقيداً بأصول البحث وشروطه، وملتزماً بالموضوعية والنزاهة والشفافية، للإجابة على سؤال رئيسي: ما هو الثابت والمتحول في حجج الجبهة ديمقراطية والعناصر المرتبطة بها، وإلى أي مدى كانت الحجج المستخدمة متسقة أم متناقضة؟.
مفهوم الخطاب الذي يتبناه ويعتمد عليه الكتاب يتمثل بأنه بنية من المقولات تتجاوز مستوى الجملة، وتمثل بناءً من الأفكار مصوغة بشكل حجج على نحو عمدي في سياق اتصال اجتماعي، والحجاج يغطي كل مجال الخطاب الذي يهدف إلى الإفهام والإقناع مهما كان المتلقي ومهما كانت الطريقة المتبعة، والمتلقي بعد ذلك يخضع الخطاب لعملية إعادة بناء.
أما مفهوم المعارضة فكثير من المعاجم تفترض أن اصطلاح المعارضة السياسية لا تقوم إلا في إطار الدولة، وهو اصطلاح لا يساير ما لحق بمجال النظم السياسية من تطور، تطور يركز على النشاط والفعل المضاد المناوئ، كما يركز على الجماعات وأطراف المعارضة ( أحزاب تجمع أفراد..) وعلى دور المعارضة ووسائلها، وسائل تمتد من الأساليب الديمقراطية الشرعية، إلى استخدام الوسائل العنيفة، تمتد ما بين الحوار والاقتتال، كالعديد من تكتيكات الفصائل الفلسطينية المعارضة والتي اكتسبتها من خبرة العمل السياسي وممارسته، إذ نشطت أغلب الفصائل في إصدار دوريات خاصة بها للتعامل مع المؤسسات السياسية للالتحاق بها، أو الانسحاب منها، إلى الحوار معها، أو التحالف ضدها، أو ممارسة العنف إزاءها كالاغتيال السياسي ( فتح-المجلس الثوري)، ، وغير ذلك.. فالمعارضة لم تقتصر على الرفض اللفظي، إذ كانت هناك انسحابات من اللجنة التنفيذية لـ«م.ت.ف.»، وتشكيل صيغ متعددة من التحالفات، هذه الوسائل تقوم على رد الفعل المواجه لوسائل إنجاح عملية التسوية الجارية من خلال ثلاثة عناصر:
-إخماد الانتفاضة، والرد المعارض على ذلك يكون بالعمل على استمرار الانتفاضة، والعمل على بناء القيادة الموحدة للانتفاضة التي انسحبت منها حركة فتح والحزب الشيوعي الفلسطيني.
-تأجيل البت في موضوع الاستيطان، باعتباره أحد عوامل نجاح التسوية على مسار أوسلو، والتكتيك المضاد دعوة الجماهير في الوطن والشتات للنزول إلى الشارع للإعراب عن رفض استمرار الاستيطان.
-الانخراط في انتخابات مجلس الحكم الذاتي، والتكتيك المضاد هو الدعوة لمقاطعتها باعتبارها استفتاء على قبول الاتفاق.
فاصطلاح المعارضة بالمفهوم الواسع يشير إلى المقابلة والتضاد والمنافسة والتحدي والمقاومة والخلاف الفكري والنقد، وهو تعريف يسمح بالتطرق إلى المعارضة داخل حركات التحرر، حيث أشارت بعض الدراسات المقارنة إلى الانقسام والمعارضة داخل الحركة الوطنية المقاومة للاحتلال، حيث لا يقتصر الأمر على مجرد تنافس لأكثر من تنظيم في النضال ضد العدو، وما يعكسه ذلك من رؤى فكرية متمايزة سواء في مواجهة الاستعمار أو في التطلع إلى مجتمع ما بعد الاستقلال، وهو أمر غير سلبي إذا توقف عند هذا الحد، ولكنه يمتد إلى الاقتتال المسلح بين تنظيمات حركة التحرر الوطني، وعلاوة على ذلك، تؤدي ظاهرة الانقسام دوراً خطيراً في بعض الأحيان عندما تبدأ مرحلة الاتصال بالعدو والتفاوض معه، حيث تكون سبباً في خسارة غير مبررة لبعض الأوراق من أيدي المناضلين سواء بسبب تهافت الفصائل الأقل صلابة على الاتصال بالعدو، أو مسارعة الفصائل الأكثر صلابة إلى تقديم تنازلات غير مبررة خوفاً من تقويض الأرض التي تقف عليها، وفي بعض الأحيان تمتد الآثار السلبية للانقسام إلى ما بعد الاستقلال فيستمر الصدام بين رفاق النضال القدامي، وتستنزف في هذا الصدام المستمر الموارد الشحيحة التي خلفها الاستعمار للدولة الوليدة.
إن النظر إلى النظام السياسي على أنه تفاعل أدوار، وتوزيع يدور حول القيم السياسية يمكّن من دراسة المعارضة البينية لحركات التحرر الوطني وبخاصة الفلسطينية، باعتبار أنها تدور في نظام سياسي، ولما كانت حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) الفصيل الرئيسي في قيادة الحركة الوطنية فإن دورها كان أشبه بدور حكومة المنفى، ما استدعى بالضرورة وجود المعارضة.
لقد ارتبطت المعارضة الفلسطينية في بدء ظهورها بالمبادرات التي تزعمها قادة يغلب عليهم الانتماء العائلي والعشائري أكثر من الانتماء الايديولوجي باستثناء الحزب الشيوعي 1920، ثم تبلور ارتباط المعارضة الفلسطينية بالبعد الأيديولوجي بعد أن تحول الفرع الفلسطيني من حركة القوميين العرب إلى فصائل تبنت الماركسية-اللينينية، ولأن الصراع في الساحة الفلسطينية لم يكن فكرياً ولا طبقياً، فلا يمكن الحديث قبل العام 1974 عن برامج سياسية تتبناها جهة فلسطينية وأخرى تعارضها بخصوص قضية وطنية مختلف فيها، لأن كل ما طرح من تسويات سياسية لم تتضمن أو حتى تشير إلى جوهر القضية الفلسطينية، فقراري مجلس الأمن 242 لسنة 1967 و 338 لسنة 1973 ينظران إلى الصراع أنه مشكلة حدود بين الدول العربية وإسرائيل، والمشروعات الأمريكية للتسوية بما فيها مشروع روجرز 1970 لم تحدد موقفاً من عودة اللاجئين، والمعارضة الفلسطينية لهذه المشاريع لم تكن وجهتها داخلية، بل كانت في مشروع روجرز لجهة قبول الرئيس جمال عبد الناصر بهذا المشروع.
العام 1974 كان منعطفاً لجهة ظهور فعلي للمعارضة السياسية الفلسطينية بعد النكبة، من خلال ثلاث أحداث هامة: أولها: الدورة الثانية عشرة للمجلس الوطني الفلسطيني 1-8/6/1974 حين أقرت «م.ت.ف.»  برنامج النقاط العشر، وأدى ذلك إلى تشكيل جبهة الرفض التي ضمت فصائل: الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين - القيادة العامّة، وجبهة التحرير الفلسطينية، وجبهة النضال الشعبي الفلسطيني، وهي منظمات كانت ترفض مشاريع التسوية، وكل الحلول البديلة عن تحرير كامل فلسطين بالكفاح المسلح، ورأت في برنامج النقاط العشر مشروعاً للتسوية السياسية يسمح للقيادة الفلسطينية بالدخول في مفاوضات مع إسرائيل.
وثانيها: اجتماع القمة العربية في العاصمة المغربية الرباط، في 26 -30 تشرين الأول/أكتوبر 1974، التي اعتمدت منظمة التحرير الفلسطينية ممثلاً شرعياً ووحيداً للشعب الفلسطيني، رأت بعض الفصائل الفلسطينية في ذاك تمهيداً أو تفويضاً للمنظمة للبدء بانخراطها في التسوية السياسي باسم الشعب الفلسطيني.
وثالثها: خطاب رئيس «م.ت.ف.» في الجمعية العمومية للأمم المتحدة في 13/11/1974 اعتبر تغيراً في الرفض الفلسطيني للمبادرات التي كانت دائماً توصف بأنها حلول تصفوية للقضية الفلسطينية، وتمهد للقبول بعملية التسوية.
ولفترة بقي الخطاب الفلسطيني المعارض يرتكز على معارضة التسوية السياسية، لكن أغلب هذه الفصائل تحول موقفها من الرفض المطلق للتسوية إلى القبول بها مع بقاء الخلاف بشأن محتواها وشكلها، وفق ذلك تعددت المواقف من المبادرات التي اتخذت طابع الحدية والنزاع الإعلامي والسياسي، فقد أثار مشروع الأمير فهد للسلام -والذي أقرته القمة العربية الثانية في فاس والاستثنائية في 6 سبتمبر/ أيلول/1982 والموافقة الفلسطينية عليه من خلال رئيس «م.ت.ف.»  ياسر عرفات- خلافاً انقسم بموجبه الوفد الفلسطيني المشارك في القمة على نفسه فأصدر أحمد اليماني ( ممثل الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين) وطلال ناجي (ممثل الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين – القيادة العامة)، ونمر صالح (عضو اللجنة المركزية لحركة فتح) بياناً مشتركاً يرفض الإقرار بحق اسرائيل في الوجود، واعتبار ذلك الإقرار انتهاكاً لقرارات المجلس الوطني الفلسطيني، وتنازلاً بمقابل «آمال وهمية»، من جهتها الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين رفضت مبادرة الأمير فهد باعتبار أن هذه المشاريع تستهدف كسر النهوض الجماهيري الفلسطيني والعربي وفك العزلة عن نظام السادات ومأزق اتفاقيات كامب ديفيد، وتجر المنطقة من جديد إلى الركض وراء أوهام التسوية الأمريكية. 
وكانت المشاريع الأمريكية تستبعد «م.ت.ف.» كطرف تفاوضي ولا تحدد موقفاً من عودة اللاجئين، ومنها مبادرة الرئيس الأمريكي ريغان أيلول/سبتمبر 1982 التي رفضتها الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين باعتبارها امتداداً لكامب ديفيد لا يعترف بدولة فلسطين مستقلة أو بمنظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني، ويحيل المسألة إلى قضية حدود بين الأردن وإسرائيل.
وانتقدت الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين الخيار الأردني باعتباره ردة مأساوية نحو مشروع ريغان، ففي العام 1985 تم توقيع الاتفاق الأردني الفلسطيني وينص على تشكيل وفد مشترك في أي مفاوضات قادمة، كما نص على حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني في دولة فلسطينية متحدة كونفدراليا مع المملكة الأردنية، وإزاء إصرار القيادة الرسمية الفلسطينية على التعامل مع هذه المشاريع وفق الشروط الأمريكية، تصاعد الخلاف السياسي ما بين الرؤية التي ترغب في التعامل مع المشاريع الأمريكية للسلام، والمعارضة لها، وصل الخلاف إلى اقتتال فلسطيني–فلسطيني في أيار عام 1983، وتعرضت الحركة الوطنية الفلسطينية إلى انقسامات واستقطابات نتج عنها ثلاث محاور متمايزة:
المحور الأول : التحالف الديمقراطي: وأعلن عن قيام هذا التحالف في اجتماع في عدن من 22-26/3/1984 الفلسطيني، دعا هذا التحالف إلى تعزيز القيادة الجماعية، وانتقاد النزعة الفردية داخل «م.ت.ف.» وتشكيل أوسع جبهة فلسطينية في الداخل والخارج من أجل حماية منظمة التحرير الفلسطينية وصيانة دورها كممثل شرعي ووحيد، ومنع النهج الاستسلامي من حق النطق باسمها.
المحور الثاني: التحالف الوطني، ويضم أربعة فصائل: فتح الانتفاضة، الصاعقة، القيادة العامة، جبهة النضال الشعبي الفلسطيني، وكان يطمح إلى تغيير شكل الخريطة السياسية الفلسطينية واتسم خطاب هذه الفصائل بالعداء لرئيس «م.ت.ف.» ولنهجه السياسي ورفض البرنامج المرحلي، والتأكيد على التحرير الشامل.
المحور الثالث: وتشكل من قيادة المنظمة المتمثل بقيادة حركة فتح، وجبهة التحرير العربية، وجبهة التحرير الفلسطينية (أبو العباس).
ثم تشكلت بعد ذلك جبهة الإنقاذ بانضمام أطراف من التحالف الديمقراطي إلى التحالف الوطني، ما عدا الجبهة الديمقراطية والحزب الشيوعي، رداً على اتفاقية الاتحاد الكونفدرالي الأردني-الفلسطيني في إطار تقرير المصير للشعب الفلسطيني.
جسدت الانتفاضة الفلسطينية الأولى شعار الوحدة على أرض المعركة فأنجزت الوحدة الوطنية حول هدف إنهاء الاحتلال والتأم شمل جميع الفصائل والقوى على أن المرحلة هي مرحلة تحرر وطني بأوضح خصائصها واستقطبت كل من له مصلحة حقيقية في تحرير الوطن، تنامت خلال هذه المرحلة القوى الإسلامية لعوامل عدة:
-أزمة الاتجاه الوطني التنظيمية والسياسية داخل «م.ت.ف.» وغياب الديمقراطية داخل مؤسسات «م.ت.ف.». -الخدمات المدنية التي قدمتها القوى الإسلامية مستوصفات وجمعيات خيرية ولجان زكاة.
-اتساع المد الإسلامي بعد فشل التيارات القومية واليسارية في إنجاز المشروع النهضوي.
رفضت التيارات الإسلامية الانضمام إلى «م.ت.ف.»، تارة من منطلق أيديولوجي، وتارة لعدم الموافقة على نسبة التمثيل المقدمة لها من قبل قيادة «م.ت.ف.»، ومنذ ذلك الحين باتت الظاهرة الحزبية الفلسطينية تقوم على قطبين فصائليين أحدهما تمثله «م.ت.ف.» بفصائلها كافة مع وجود هامش معارضة داخلية داخل هذا القطب، وثانيهما الحركات الإسلامية في الداخل الفلسطيني، مع وجود استقلالية لفصيلي هذا التيار عن بعضهما (حماس والجهاد) وقد بدا ذلك واضحا ً في البيانات المنفصلة للطرفين.
في مرحلة الانخراط في التسوية (1991-1994) اتخذت قيادة «م.ت.ف.» قراراً بالمشاركة في مؤتمر مدريد مضاداً لموقف المعارضة، فتشكل على أثر ذلك جبهة سميت (الفصائل العشرة) وضمت: حركة حماس، وحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين-القيادة العامة، حركة فتح الانتفاضة، جبهة التحرير الفلسطينية، الصاعقة، الحزب الشيوعي الفلسطيني الثوري، وجبهة النضال، لم يكن لهذا التجمع التنسيقي أي شكل تنظيمي أو هيكلية قيادية،
وتأخر الإعلان الرسمي لميلاد الفصائل العشرة حتى 29/9/1992 رغم أن بيانها الأول قد صدر في 24/10/1991، أدانت فيه موافقة المجلسين الوطني والمركزي لـ«م.ت.ف.» على المشاركة في مؤتمر مدريد، ودعا إلى استمرار الانتفاضة والإضراب العام والشامل طيلة أيام انعقاد المؤتمر، ووصفه بأنه مؤتمر تصفية القضية الفلسطينية وبيع فلسطين، وبررت الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين توقيعها على البيان أن المؤتمر يحقق الفهم الإسرائيلي لعملية السلام في اعتبار أن المشكلة ليست مشكلة شعب، وليست مشكلة وطنية بل مشكلة مجموعة من السكان يمكن معالجتها في إطار ترتيبات داخلية محدودة في ظل استمرار الاحتلال من خلال مشروع الحكم الذاتي الإداري الذي يعتبره إسحاق شامير حلاً نهائياً للمشكلة الفلسطينية.
هدفت حركة حماس من الانضمام إلى تحالف الفصائل العشرة موازنة قوة حركة فتح ومنظمة التحرير الفلسطينية، وأداء دور القائد باعتبارها أقوى الفصائل في تجمع الفصائل العشرة، في حين هدفت فصائل الخارج إلى التأثير في القرار الوطني عبر تحالفات مع قوى الداخل المناوئة لحركة فتح ولاسيما حركة حماس، أما الجبهتان الديمقراطية والشعبية فلم يعترضا على عملية السلام، وإنما على شروط مؤتمر مدريد، وعلى انفراد حركة فتح باتخاذ القرار بالذهاب إلى مؤتمر مدريد وتجاوزها لقرارات المجلس المركزي لـ «م.ت.ف.»، التي رسمت الشروط الفلسطينية للمشاركة في المؤتمر. 
وظل إطار الفصائل العشرة تحالفاً سياسياً القاسم المشترك بينها هو الموقف السياسي المناهض والمعارض لمؤتمر مدريد، اقتصر دورها على إصدار البيانات وانتقاد عملية التفاوض، بقي الأمر كذلك إلى أن وقع اتفاق أوسلو، حيث قدمت عدة مشروعات لتطوير صيغة الفصائل العشرة إلى صيغة «تحالف القوى الفلسطينية» التي أعلن عن تشكيلها في 5/1/1994، ركز الموقف السياسي للتحالف على رفض نتائج أوسلو ورفض المشاركة في انتخابات مجلس الحكم الذاتي أو المشاركة فيه بالتعيين، ومقاطعة الهيئات المنبثقة عن الاتفاق والمسؤولة عن تنفيذه، كما أكد على الحقائق التاريخية الثابتة للشعب الفلسطيني في التحرير والعودة وتقرير المصير الوطني، والتمسك بالكفاح المسلح والجهاد كأسلوب رئيسي في النضال من أجل التحرير، والتمسك بمنظمة التحرير الفلسطينية مع التنديد بقيادتها، وقد خرجت منه الجبهتان الديمقراطية والشعبية.
ثمة نقاط اختلاف أثيرت بين فصائل التحالف فيما يتعلق ببرنامجه، اعترضت حركة حماس على إضافة تعديلات تتضمن الموافقة على قرارات الأمم المتحدة المتعلقة بالأراضي الفلسطينية المحتلة كأساس لحل القضية الفلسطينية، وعلى الحل المرحلي، وتوجست الجبهتان الديمقراطية والشعبية من سيطرة حركة حماس على تحالف المعارضة ومن إملاء رؤاها الفكرية عليه، بالمقابل خشيت حركة حماس من إفراز ممثلين لهذا التحالف في الخارج تسيطر عليه الفصائل اليسارية، وبخاصة في سوريا ولبنان، نظراً للوجود القوي لهذه الفصائل هناك مقارنة مع حركة حماس، وبذلك كان عنصر الثقة بين أطراف هذا التحالف يشوبه الضعف.
بعد إنشاء سلطة الحكم الذاتي بموجب اتفاق القاهرة أيار/مايو 1994 ظهرت تحولات هامة في الحقل السياسي الفلسطيني، انتقلت قيادة الحركة الوطنية الفلسطينية من الخارج إلى الداخل، وتحولت شرعيتها من شرعية داخلية شعبية تستند على المقاومة إلى شرعية خارجية سياسية مرتكزة على اتفاقات عملية السلام، وتراجع دور «م.ت.ف.» التي تقوم على التعددية السياسية والفكرية والإعلامية، لصالح سلطة مركزية تحتكر استخدام العنف ومهمة حفظ الأمن، وأصبحت الأجهزة الأمنية أداة أساسية للسلطة في مواجهة معارضي النظام ولاسيما من الحركة الإسلامية، بينما استثمرت حركة فتح موقعها في مؤسسات «م.ت.ف.» لتكريس موقعها في السلطة الفلسطينية، وأصبحت التنظيم الحاكم في إطار السلطة الفلسطينية، وتغيرت علاقة الهيمنة والتعاون في إطار «م.ت.ف.» إلى علاقة حاكم ومحكوم تعطي أو تنزع الشرعية عن الكيانات المؤسسية المعارضة.
هناك من يرى أن دور وفعالية المنظمات اليسارية (الجبهتين الديمقراطية والشعبية) قد تراجعت في مرحلة سلطة الحكم الذاتي، بينما هناك من يرى عكس ذلك بأن الجبهتين أصبحتا بعد اتفاق أوسلو هما القوة الأكثر عقائدية في الدفاع عن الثوابت الوطنية الفلسطينية، وأنهما تمثلان المعارضة الوطنية العلمانية التي من الممكن أن تتحول إلى رصيد حقيقي للمجتمع المدني الفلسطيني.
في 16/10/1991، قرر المجلس المركزي مشاركة منظمة التحرير الفلسطينية في مؤتمر مدريد، بموافقة الحزب الشيوعي الفلسطيني، ومعارضة الجبهتين الديمقراطية والشعبية قرار المشاركة، بررت الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين رفض المشاركة «أن المسالة ليست مسألة اختيار شخصيات بمواصفات نضالية أو قدرات وكفاءات معينة، المسألة أن يكون لشعبنا الحق في أن يمثل نفسه بنفسه كشعب واحد في الداخل والخارج، لا أن يتمثل بسكان الضفة والقطاع دون القدس ودون الشتات,
وكان الاقتراح البديل للجبهة الديمقراطية أن يعلن المجلس المركزي استعداد «م.ت.ف.» للمشاركة في مؤتمر السلام شريطة أن يجلس على مائدة المفاوضات وفد يمثل الشعب الفلسطيني الموحد من الداخل بما فيها القدس، ومن الخارج، وأن يتزامن ذلك مع وقف فوري للاستيطان في المناطق المحتلة مع تأكيد الالتزام بقرارات الشرعية الدولية، وضمان الارتباط بين مسارات الحل ومراحله، وحضور موضوع القدس في جميع مراحل المفاوضات.
وضحت الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين النتائج السلبية الناجمة عن اتفاق إعلان المبادئ بشأن ترتيبات الحكومة الذاتية الانتقالية الذي تم التوصل إليه في أوسلو19/8/1993، وتم توقيعه في واشنطن 13/9/1993، واعتبرته حلاً جزئياً منفرداً يمثل تنازلاً قدمته قيادة منظمة التحرير الفلسطينية وهو يؤسس لحل هابط للمسألة الوطنية الفلسطينية في إطار كيان تابع، له دور وظيفي في خدمة نظام شرق-أوسطي جديد، يشكل الاتفاق انقلاباً سياسياً على برنامج «م.ت.ف.»، وركزت أطروحات الجبهة على الآثار السلبية لاتفاق أوسلو على المستويين المحلي والإقليمي فهذا الاتفاق يضع قواعد تشرع بقاء الاحتلال وتهدر الحقوق الوطنية الفلسطينية، ويمهد لتنازلات على المسارات التفاوضية الأخرى، وفي الجانب الاقتصادي للاتفاق فإنه يستجيب لمصالح فئات ضيقة، ويتناقض في جوهره مع المصالح الوطنية والمادية لغالبية الشعب الساحقة، بما في ذلك قطاعات واسعة من البرجوازية الوطنية التي سيدمر ما تبقى من مصالحها تجديد اندماجها الاقتصادي بالاقتصاد الإسرائيلي من خلال تعميق علاقات التبعية الاقتصادية ثنائياً ومن بوابة مشروع التعاون الإقليمي.
أما رسائل الاعتراف المتبادل فهي وثيقة اعتراف طرف (يمثل منظمة التحرير الفلسطينية)، بشروط الطرف الآخر (اسرائيل) وهي تنازلات فادحة وتقريطاً وطنياً وليس اعترافاً متكافئاً، هو اتفاق تسليم بالشروط الإسرائيلية ويمس الحقوق الوطنية ويهددها ويشرع لبقاء الاحتلال والاستيطان ويكرس الضم ويقسم الشعب وينسف وحدته الوطنية، وانتقدت الجبهة بالتسليم بعدم وجود ربط بين المرحلة الانتقالية التي تبحث بترتيبات الحكم الذاتي، ونهائية تبت بالوضع النهائي للأراضي المحتلة، والمفصلي في هذا التصور يتمثل بأمرين:
-عدم استناد مفاوضات المرحلة الانتقالية إلى قرارات الشرعية الدولية، ومبدأ الأرض مقابل السلام.
-عدم وجود رابط بين المرحلتين غير الرابط الزمني، أي أن المفاوضات حول الوضع النهائي تلي المفاوضات حول الوضع الانتقالي، بعد ثلاث سنوات من تطبيق المرحلة الانتقالية.
هذا الربط يجب أن يقوم على قاعدة مرحلية التنفيذ للقرار 242 أي جدولة عملية الانسحاب وفق هذا القرار، وإلا فإن المرحلة الانتقالية ستقتصر على ترتيبات خاصة بالسكان بمعزل عن الأرض والسيادة عليها، وغياب الربط بين المرحلتين، يرحل البحث بمستقبل الأراضي المحتلة، ويضعنا أمام مرحلة انتقالية أو مؤقتة مفتوحة، لا ترتب على المحتل عند بدء مفاوضات المرحلة النهائية أي التزام، بل تفرض على المفاوض الفلسطيني وتلزمه بالأمر الواقع باتساع عمليات الاستيطان والضم والإلحاق بإسرائيل لأجزاء واسعة من الضفة والقطاع فضلاً عن القدس الكبرى، حيث أبقى الاتفاق مصير القدس معلقاً ومجهولاً في ظل تأكيد اسرائيل أن القدس عاصمة أبدية وموحدة لإسرائيل، وكذلك وضع المستوطنات والمستوطنين في أنحاء الضفة والقطاع خارج ولاية الجغرافية وسلطة الحكم الذاتي ، محولاً الأرض الفلسطينية إلى أراض متنازع عليها وليست أرضاً محتلة.
ورداً على الاتفاقية دعت الجبهة إلى تكثيف مهمات النضال الوطني في الفترة القادمة واستمرار الانتفاضة وتعبئة القوى الكفيلة بخوض الصراع ضد الاتفاق، وصون وحدة الشعب والقضية الوطنية، وإعادة بناء قيادة الحركة الوطنية الفلسطينية، باعتبارها الطريق الصحيح لإرغام العدو على الانسحاب من الوطن المحتل ووقف الاستيطان، مما يملي توسيع صف المنضوين تحت لواء معارضة الاتفاق بالتأطير المرن المناسب وبالشعارات المناسبة، ولا تقتصر مهمة القوى والشخصيات الوطنية المناهضة لاتفاق الإذعان على فضح الاتفاق، فهذه مهمة دعوية لا تختزل برنامج المناهضة، بل تشكل بنداً رئيسياً من بنوده، ولا يمكن لهذه القوى أن تكتفي بالرهان على عوامل تفجير الاتفاق بفعل ما يعتمل بداخله من تناقضات، فهذه دعوة لسياسة انتظارية، تؤدي لتسهيل تمرير الاتفاق، ولتعزيز التعايش لدى القوى غير الحاسمة بمعارضتها، لذلك يتطلب استنهاض الحركة الجماهيرية وقيادتها على مختلف المستويات.
وبالنسبة للمعارضة الإسلامية لم يكن الظرف الدولي مؤاتٍ لتصاعد دورها في ظل الرعاية الأمريكية لعملية التسوية، فعجزت عن استبدال «م.ت.ف.» بتحالفها الفصائلي، ولم تستطع حشد الدعم الشعبي لاستمرار الانتفاضة أو إيقاف عملية التسوية السياسية للقضية الفلسطينية، قبل أن تعطلها اسرائيل بنفسها.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق