رحيل القاضي الشيخ أحمد الزين... الثابت بالسعي للوحدة الإسلامية

 


بقلم هيثم زعيتر

حمل يوم الثلاثاء في 2 آذار/مارس 2021، رحيل القاضي الشرعي الشيخ أحمد توفيق عز الدين الزين (عن 88 عاماً)، من دون سابق إنذار لوعكة صحية، بل بسكتة قلبية.

أغمض العلامة المُجاهد عيناه بعد مسيرة 60 عاماً في المجال الدعوي الديني، حفلت بسعيه الدؤوب للتقارب بين المذاهب الإسلامية، والتعايش الإسلامي - المسيحي والوطني، بما يتجاوز صيدا والجنوب ولبنان إلى مُختلف القارّات.

التصق الراحل بالقضية الفلسطينية منذ ريعان شبابه، وبقي مُدافعاً عنها في مُختلف المحافل وشتّى السُبُل، ونصيراً ومُحتضناً لأهلها الذين أحبّهم وأحبّوه، فكانت فلسطين الخط الأحمر، الذي لا يقبل التساهل بشأنها أو أي تسوية، وبقيت أمنيته الصلاة في المسجد الأقصى الشريف مُحرَّراً من المُحتل الإسرائيلي.

اسم القاضي الشيخ أحمد الزين والمُقاومة صنوان، هو الذي قاوم الانتداب الفرنسي، والظلم ونصر المظلومين. جاهد في مُواجهة المُحتل الإسرائيلي منذ احتلاله فلسطين، فأينما حلَّ كان في ذلك فعل مُقاوم.

كثيرة وعديدة ومُتنوّعة هي المحطات والمُناسبات واللقاءات التي جمعتنا بالقاضي الراحل، عايشنا فيها مواقف الرجال يوم عزَّ ذلك، وطوال عقود من الزمن لم يتغيّر "أبو عز الدين"، لا في مركز تبوّأه - وهو الذي لم يسعَ إليها في يوم من الأيام - ولا في مُهمّة أخذها على عاتقه.

بقي الرجل الطيب المُتواضع الذي لا يرد طالبَ حاجة قصده، دون موعد أو استئذان.

صاحب طلّة وهيبة، خطيب جريء بموقف صلب مُقنع.

حريص على أداء الصلوات الخمس جماعةً، مُتنقّلاً في كل منها بين مسجد وآخر، يقصده سيراً على الأقدام، على الرغم من المخاطر المُحدِقة والتهديدات ومُحاولات الاغتيال.

في المُحطات التي كنتُ التقي بها بصاحب المساحة في منزله أو في المُناسبات التي كنتُ أُقيمها، أو بمُرافقته إلى لقاءات مُشتركة، أستمعُ إلى رجل دين علامة، غَرَفَ من العِلم ما يجعله يستند إليه في إسناداته، مازجاً ذلك بخبرته التي اكتسبها على مرِّ السنوات في محافل عدّة.

أحاديث عديدة، تبقى "المجالس بالأمانات"، وبينها ما يتعلّق بسيرة حياته، التي أبرز ما فيها:

أبصرَ أحمد الزين النور وسط مدينة صيدا في العام 1933، وتخرّج من "ثانوية المقاصد الخيرية الإسلامية" في صيدا على أيدي نخبة من الأساتذة والمُربّين الكبار.

كان يرغب بدراسة الحقوق أو الهندسة الزراعية، لكن تغيّرت وجهة ذلك في العام 1953، بمسعى من الشيخ محمّد سليم جلال الدين، الذي أصبح لاحقاً مُفتياً لصيدا والجنوب.

وَصَلَ الأزهر الشريف، لكن إجازة الكلية المدنية التي كان يحوزها، كانت تحول دون التحاقه بكلية الشريعة في الأزهر، فكان قرار استثنائي، من شيخ الأزهر - آنذاك - محمّد خضر حسين.

بين العامين 1953 و1960 نَهَلَ الشيخ أحمد الزين، فحصل على شهادة العالمية مع إجازة القضاء الشرعي.

خلال تلك الفترة نَسَجَ علاقات مع طلاب من مُختلف القارّات، أصبحوا لاحقاً في مراكز مرموقة، وساهموا وإيّاه في نشر الرسالة الإسلامية والعمل على التقريب بين المذاهب، وترأس مجلس أمناء "تجمّع العلماء المُسلمين".

في العام 1960 عاد إلى صيدا، مُنطلقاً بتدريس مادّة الدين في "كلية المقاصد"، قبل أنْ ينتقل إلى القضاء قاضياً شرعياً في حاصبيا في العام 1967.

في تلك الفترة كانت بدايات الثورة الفلسطينية من منطقة العرقوب، فأصبح القاضي الزين والفدائيون سوياً مع الأهالي، في مُواجهة المُحتل الإسرائيلي.

في العام 1974 انتقل قاضياً شرعياً إلى صيدا، واستمرَّ 27 عاماً، عاقداً قران الآلاف، لم يتقاضَ خلالها قرشاً واحداً بدل إجراء عقد قران، إلى أنْ أُحيل على التقاعد في العام 2001 لبلوغه السن القانونية.

أكثر ما تأثّر به القاضي الزين، كان المُفتي جلال الدين.

ولبنانياً بمُفتي الجمهورية الشيخ حسن خالد، الذي كان سبباً في دخوله القضاء الشرعي.

وكذلك مع الإمام السيّد موسى الصدر، الذي ترأس "هيئة نصرة الجنوب" في العام 1970، وكان المُطران أنطوان بطرس خريس نائباً للرئيس، وتولّى القاضي الزين أمانة السر.

وتألّفت من: المُطران بولس الخوري، المُفتي الشيخ محمّد أنيس حمود، المُطران غريغوار إثناسيوس الشاعر، المُطران جورج حداد، القسيس وديع أنطوان، قاضي المذهب الدرزي في حاصبيا نجيب قيس ومُفتي مرجعيون وحاصبيا الشيخ عبد الحسين عبدالله.

تولّى الخطابة والإمامة في المسجد العمري الكبير لحوالى 60 عاماً، خاصّة خطبة الجمعة وصلاتي عيدي الفطر والأضحى.

يُشهَد له على الدروس الدينية التي كان يتولاها، وتوجيه رجال الدين، والمشاريع الخيرية من بناء مساجد ومراكز تربوية وتأهيلية وصحية، فضلاً عن مدارس ومعاهد، استطاع بفضل الثقة التي يحظى بها لدى الخيرين، تأمين دعم المشاريع التي يعرضها عليهم، فأضحى راعياً لمُعظم الجمعيات والمُؤسسات الرعوية والرعائية في صيدا.

رَحَلَ صاحب الموقف، الذي قاوَمَ المُحتل الإسرائيلي خلال احتلاله لمدينة صيدا والجنوب، على الرغم من الضغوطات ومُحاولات الاعتقال أو الاغتيال، كما قبل ذلك، واستمراره على الخط حتى الرمق الأخير.

لم يتغيّر الشيخ أحمد الزين في أي يوم من الأيام، وكان صاحب الرأي الجريء في أي مكان وجد، فاستحق احترام ومحبة الجميع، حتى من اختلف وإياهم بالسياسة.

رحل القاضي، الذي جنّد طاقاته، ذكاءه وفطنته، وسعة اطلاعه، من أجل التوحيد بين المذاهب الإسلامية، مُنطلقاً من سماحة الإسلام.

خسارة علامة، ترك سُمعة مُمتازة، وبصمة نورانية، لصاحب القلب الطيب ببياض شعره ولحيته، بعدما ألمه حال لبنان والأمة، فلم يسعفه قلبه على تحمل الكثير.

لا شك في أنّ مآثر القاضي الشخ أحمد الزين مُتعدّدة، ويستحق أنْ يُطلق اسمه على شارعٍ أو مسجد أو مركز في مدينة صيدا، التي كان يفتخر بإنتمائه إليها.

رحم الله الراحل الكبير، وأسكنه فسيح جنانه، وألهم أهله وعائلته ومُحبيه الصبر والسلوان.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق