فلسطينيو الخارج والانتخابات.. القناعة أولا



 الكاتب: ماهر حجازي

بمجرد الإعلان عن مرسوم رئاسي يقضي بإجراء انتخابات تشريعية ورئاسية وانتخابات المجلس الوطني الفلسطيني، جاءت المواقف الفلسطينية الرسمية والفصائلية والشعبية بين الترحيب والتحذير.

منهم من رأى في الانتخابات القادمة فرصة حقيقية لطي صفحة الانقسام الفلسطيني وتحقيق المصالحة، وبناء مشروع وطني لمواجهة الأخطار والتهديدات التي تتربص بالقضية الفلسطينية.

آخرون وجدوا في الانتخابات مرحلة فلسطينية جديدة ستكرس حالة الانقسام في حال عدم التزام الأطراف الفلسطينية المختلفة بنتائج هذه الانتخابات، أو أن لا تحظى الفصائل التي تفوز بالانتخابات بالقبول لدى المجتمع الدولي تماما كما حدث في انتخابات 2006.

وبين الحديث عن الانتخابات وآلياتها ومواعيدها وقوائم الترشيح والمخالفات الدستورية للمراسيم، تطفو إلى المشهد مطالبات بأن يكون لفلسطينيي الخارج مشاركة فاعلة ومهمة في انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني، وأن يختار فلسطينيو الخارج ممثليهم في مؤسسات منظمة التحرير المختلفة.

كل ما يدور في هذا الإطار هي المطالبة برفض تهميش فلسطينيي الخارج، والذي مارسته السلطة منذ توقيع اتفاق أوسلو بين منظمة التحرير والاحتلال الإسرائيلي 1993، والدعوة لإعادة الدور السياسي والشعبي لفلسطينيي الخارج في العمل الوطني الفلسطيني والحالة السياسية الفلسطينية والمشاركة في الانتخابات، ترشيحا وانتخابا.

فلسطينيو الخارج الذين يشكلون أكثر من نصف الشعب الفلسطيني بعيدون تماما عن دائرة صنع القرار الفلسطيني ولا يمثلون في مؤسسات منظمة التحرير، وهم نواة العمل الفلسطيني، والمخيمات الفلسطينية في الشتات تعتبر مهد الثورة الفلسطينية.

المرسوم الرئاسي حول إجراء انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني حيثما أمكن؛ بنظري هو محاولة من السلطة للهروب إلى الأمام في إمكانية مشاركة فلسطينيي الخارج في هذه الانتخابات، بذريعة أنه لا يمكن إجراء الانتخابات في إحدى الدول، وهكذا تقاس على مختلف أماكن تواجد الشعب الفلسطيني.

الحديث بمجمله اليوم من المؤسسات والهيئات والمؤتمرات والشخصيات الوطنية الفلسطينية في الخارج؛ عن أهمية حضور ومشاركة الفلسطينيين في الشتات في انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني، وأن يكون المجلس الوطني الفلسطيني السلطة العليا لمنظمة التحرير ممثلا للكل الفلسطيني في الداخل والخارج.

وقبل الحديث عن انتخابات فلسطينيي الخارج، هناك سؤال مهم ونقطة لا بد من التوقف عندها أولا، وهي قناعة فلسطينيي الخارج بالانتخابات والمشاركة فيها تصويتا وترشيحا.

بمعنى، هل تعني الانتخابات شيئا للاجئ الفلسطيني في مخيمات لبنان وسوريا والأردن؟ هل هناك قناعة من الفلسطينيين في أوروبا ومختلف الدول والقارات بجدوى الانتخابات الفلسطينية؟ وهل يثق الفلسطينيون في الشتات بالفصائل والتيارات السياسية الفلسطينية المختلفة؟

هنا أتحدث عن الفلسطيني في الخارج غير المؤطر حزبيا وفصائليا، الفلسطيني الذي يُحرم من حقوقه الإنسانية ومن العيش بكرامة، كما حال اللاجئين الفلسطينيين في مخيمات لبنان.

أقصد أيضا اللاجئ الفلسطيني في مخيمات سوريا، والذي يعاني القتل والتشريد والعذابات، والذي يعيش في خيمة ينام على نكبة ويفيق على مأساة.

أتحدث عن الفلسطينيين في مختلف الدول والذين يعانون من أزمات اقتصادية وسياسية ومعيشية، وتشكل منظمة التحرير أحد الأطراف المساهمة في هذه القصص المؤلمة.

ولا يخفى على أحد الدور السلبي الذي تلعبه سفارات منظمة التحرير حول العالم مع قصص الفلسطينيين ومعاناتهم، والتي تفاقم مأساة الفلسطينيين، وكذلك التعامل السياسي الكارثي لقيادة المنظمة الحالية مع ملفات الفلسطينيين في الشتات، هذا التعامل الذي ينطلق من مصلحة شخصية وليست وطنية أو لصالح اللاجئين الفلسطينيين.

تماما كما فعلت قيادة منظمة التحرير في ملف فلسطينيي سوريا، والتي تخلت عن مواطنيها في المخيمات الفلسطينية في سوريا، مقابل بعض الأراضي والمقرات التي استعادتها من النظام السوري.

لذا، هل الفلسطيني في الخارج مقتنع بأن هذه الانتخابات فرصة حقيقية للتخلص من الحقبة الطويلة من التهميش واللامبالاة، والتضييق السياسي والإنساني الذي مارسته ضده السلطة ومنظمة التحرير المسروقة؟

المفترض من المؤسسات والتيارات الفلسطينية التي تنادي اليوم بإشراك فلسطينيي الخارج في انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني، أن تفكر جيدا في الآليات والأدوات التي يمكن من خلالها إقناع الفلسطينيين في الخارج بأهمية مشاركتهم في الانتخابات، وتغيير الواقع السياسي الذي يعيشه الفلسطينيون في مختلف أماكن تواجدهم.

من المهم أن تنجحوا في إقناع الفلسطيني بأن مشاركته في الانتخابات واختياره لمن يمثله قولا وفعلا في المجلس الوطني؛ هو بداية لنيل حقوقه الأساسية وحل أزماته الإنسانية والسياسية والقانونية.. وأن يدرك الفلسطينيون في الخارج أهمية التغيير السياسي الفلسطيني، وأن يتذوق الفلسطينيون طعم الديمقراطية التي دفعت لمثلها الشعوب العربية دماء كثيرة.

كذلك من المهم أن يجد الفلسطيني في الخارج شخصيات فلسطينية لها دور بارز ومهم وعلى احتكاك مع الفلسطينيين، لا أن تكون شخصيات مكتبية بعيدة عن هموم الشارع الفلسطيني ولا تطل على الفلسطينيين إلا من وراء الشاشات.

هذه الشخصيات الوطنية التي تستحق أن يمنحها الفلسطينيون في الخارج ثقتهم وأن تكون ممثلة لهم في المجلس الوطني الفلسطيني، بالتالي لا بد من الاجتهاد في قراءة هذه الشخصيات واختيارها بعناية فائقة للترشح في الانتخابات، فهي من الشعب وإلى الشعب.

من المهم أيضا التركيز على فئة الشباب الفلسطيني وأهمية الدور الذي يتمتعون به في مسيرة النضال الفلسطيني، فالشباب اليوم هم الأكثر قربا من أبناء الشعب الفلسطيني كونهم من أكثر الشرائح الذين همشتهم أوسلو حتى اليوم.

بإمكان الشباب الفلسطيني أن يكونوا مفتاح الحل للوضع الفلسطيني الراهن، بأن يستلموا زمام المبادرة وأن يكونوا العنوان الأبرز في أية انتخابات فلسطينية قادمة.

أرى من الجيد استطلاع آراء الفلسطينيين في الخارج حول مشاركتهم في الانتخابات في هذه المرحلة، وأن تقوم مؤسسة متخصصة باستطلاعات الرأي بدراسة الجمهور الفلسطيني في الخارج إن كان راغبا في المشاركة في الانتخابات القادمة أم لا، في حال سمح لهم بالمشاركة في انتخابات المجلس الوطني.

خلاصة القول بالنسبة للمدافعين عن حق فلسطينيي الخارج في الانتخابات هو البدء بإقناع الفلسطينيين بجدوى الانتخابات، وما يمكن تحقيقه من إنجاز بأدوات ووسائل مختلفة.. لأنه في حال إشراك الفلسطينيين في الخارج في الانتخابات القادمة، وكانت مشاركتهم ضعيفة في الانتخابات، هنا تكون كافة الجهود التي بذلت على مدار سنوات لاستعادة فلسطينيي الخارج دورهم في المشروع الوطني قد ذهبت أدراج الرياح.