العنوان الجديد لعبد الرحمن منيف: اقرأ!


 

طلال سلمان

 وماذا إذا رحل عبد الرحمن منيف؟
إنه من أخبار الأمس… فليدرج مع »الوفيات«!
ولكنه عبد الرحمن منيف! إنه بشارة الغد… بل انه »مؤلف الغد«. لقد كتب سيرة الغد ومضى. لعله قد سئم الانتظار بينما المرض ينهشه، والأخبار تفري ما تبقى من جسده المتهالك، فغادر والقلم في يده، يكتب ذاكرة للمتقدمين فوق اليأس إلى مهجع الحلم الذي رافقه فلم يخفه ولم يتركه يسقط برغم عاديات الأيام واعتداءات الحكام، وبرغم الخيبات والانتكاسات والهزائم التي دللت على حقيقة مهمة: أن الحلم أكبر من دعاته وحملة راياته، وأنه لا بد من جيل جديد أكثر وعياً بنفسه وبعدوه، وأكثر صلابة وإيمانا بقضيته، وأكثر اتصالا بالعصر، وأكثر فهماً للمسيرة الإنسانية في زمن صعود إمبراطورية القوة الوحيدة، وهي أميركية الوجه إسرائيلية القلب عنصرية التفكير، وإن استعارت من الصهيونية أساليبها والتكتيك.
إنه خبر وفاة، لا أكثر. وفاة رجل كان يتعجل الموت، حتى لا يسمع أبشع مما سمع، ولا يرى أفظع مما رأى وهو على فراش مرضه، ولا يضطر إلى أن يكتب المزيد من المراثي في وداع الذين سبقوه بغير وداع، وكان آخرهم إدوار سعيد وإحسان عباس و»الفقيه« محمد البصري و…
هو خبر وفاة، والفقيد يكاد يكون مجهول النسب والهوية.
لن تنكّس الأعلام فوق أي قصر. لن يقطع السلاطين العرب إجازاتهم ولقاءاتهم الميمونة في دافوس. لن يتخلى أي وزير سمسار عن موعد صفقة. لن تعطل الجامعات والمدارس صفوفها، لكي تكون المحاضرة أو الدرس الوحيد عن هذا »البدوي الملعون« الذي قتل الغربة بعروبته قبل أن تقتله الانفصالية بتبنيه وكأنه »لقيط«! لن ترتدي النساء مزيداً من السواد ثياباً.. لم تعد النساء تلبس إلا السواد، من زمان…
كل ما حدث أن كاتباً قد مات!. وماذا لو كان روائياً؟! لدينا آلاف آلاف الكتبة، ومئات أو ربما آلاف الروائيين! حتى السلاطين فينا صاروا روائيين؟ ألم تقرأ قصصاً لمعمر القذافي؟! ومن يكون عبد الرحمن منيف إذا قيس بالروائي صدام حسين؟!..
هو خبر وفاة عادي… ثم إنه مرجأ، فهو من أخبار الأمس! ولن يؤثر مطلقاً على مسيرة الأحداث في منطقتنا هذه التي كانت عربية، والتي يصار إلى محو هويتها أو تزويرها أو تزييفها أو تهجينها بالاحتلال أو بالانفصالية حتى تغدو مشاعاً ملكيتها للأقوى.
سيواصل جند الاحتلال الإسرائيلي في فلسطين تدميرهم لبيوت هذا الكمّ الفائض من البشر، وسيواصلون اقتلاع الأشجار وقتل الأطفال والنساء والرجال، لإزالة آخر العقبات من أمام جدار الفصل العنصري الذي يحفظ لشعب الله المختار »نقاءه«.
وسيتواصل زحف المستوطنين المستعمرين المستقدمين من أربع رياح الأرض على الجنوب إلى داخل حدود مصر المحروسة، وفي الشمال إلى أبعد نقطة في مرتفعات الجولان السوري، وعلى الحدود مع لبنان سيستمر التحرش بهذه »القوة الإرهابية الأجنبية« المسماة »حزب الله«، حتى يجيء العرب والمسلمون ليطلبوا إليها أن تتقي الله فيهم وفي عيالهم فتسلّم سلاحها وتنصرف إلى المقاولات والعمولات والسمسرات، وما أوسعها مجالاً!
.. وسيواصل السلاطين العرب اتصالاتهم ومشاوراتهم، والقمة قريبة، من أجل حسم خيارهم في اختيار الطريق الأقصر إلى قلب جورج بوش: هل هو طوني بلير الإنكليزي المتحضر، أم هو المتوحش أرييل شارون؟!!
* * *
يستحق عبد الرحمن منيف أن يحتل صدر الصفحة الأولى في كل صحيفة عربية، أمس، واليوم، وغداً.
فعبد الرحمن منيف هو شاعر الحلم العربي وراوية الغد العربي.
بل إنه قد اندفع مع إيمانه بعروبته إلى حد أنه كان في مسيرة حياته، بمحطاتها جميعاً، النموذج الفذ ل»المواطن العربي«… وهي مرتبة لم يبلغها أحد قبله، بهذه الشفافية وبهذا الإطلاق، ومن الصعب أن يبلغها أحد بعده.
هل نبالغ إذا ما قلنا إننا في »مأتم العربي الأول« الذي يكاد تنكّر أهله لعروبتهم، لهويتهم، للون بشرتهم وحقوقهم في أرضهم، أن يجعله »العربي الأخير«؟!
عاش عبد الرحمن منيف يؤرخنا، ولا يؤرخ لنا فحسب. يحاكم نفسه فينا ويحاكمنا ويدين نفسه وهو يديننا. لم يخرج علينا ليحاسبنا وكأنه ليس منا. بل حاسب نفسه فينا وبنا، يدين نفسه وهو يديننا. إنه الشاهد والضحية. الثائر والقضية. الأمل والخيبة، ثم الاستمرار بعناد بحثاً عن أمل لم يأكله عبدته كما كانوا يأكلون آلهتهم.
فرض عليه أن يختار بين »هوية رسمية« تعترف به مواطناً مذهب الامتيازات وبين حقه في أن يحلم، كأنما الوطن ينفصل عن حلم إنسانه، فرفض هذه »القسمة الضيزى«، لأنه يعرف أن الوطن لا ينفصل عن حلم مواطنه. عرضوا عليه أن يبيع أفكاره وأحلامه وحقه في الحياة بجواز سفر مذهب وثلاثين

من الفضة، أو يشطب فلا يعترف بأنه قد وُلد أصلاً، وبأنه كائن موجود… فإذا أصر أن يكون هو نفسه، بأصله وفصله، حوكم بتهمة انتحال صفة مواطن!. وكان الخيار أن يغدو »لاجئاً« يحمل هوية مؤقتة لبلد آخر، عبر مساومة مضنية، لوحت بأن تفرض عليه الصمت أو الموت في ملح المدن العربية الأخرى.
لقد رفض أن يشتري حقه بجنسيته الأصلية بصمته، بوأد مبادئه. قيل له: خذ وزن أفكارك ذهباً، ففضل لبداوته.. الأفكار!
وهكذا عاش عبد الرحمن منيف من قلمه ومن جهد عقله.
* * *
في البداية كان »الحزب« هو الطريق إلى الحلم. ومشى في هذا الطريق حتى ارتطم الحزب بالسلطة فالتهمته. وخرج »البدوي« حامل الدكتوراه في الاقتصاد، والخبير في شؤون النفط، ليناضل من أجل تحرير النفط الذي اقتحم مسرح السياسة والعمل العام في دنيا العرب منذ أوائل الستينيات، ليغدو سلاح الإفساد والتضليل والتخريب.
كان على عبد الرحمن منيف أن يقاتل وهج الثروة بأفكار الثورة. وانتهت الحرب بخيبتين حين طوّعت الثروة الثورة، فوجد عبد الرحمن نفسه طريد السلطانين المتعارضين شكلاً، المتكاملين موضوعياً.
لا الأب »السعودي« أعانه في أن يكون هو ذاته بغير أن يخسر هوية الأرض التي ينتمي إليها، ولا الأم العراقية ساعدته على أن يكون عراقياً ولا هو ارتضى أن يستبدل منبته المصادر بالالتحاق بنسب منحول، ولا الزوجة السورية أخذته إلى »الجنسية« السورية. فالمولود في عمان لأبوين عربيين، من جنسيتين متمايزتين، والمتزوج بعد ذلك من سورية، كان يرى في نفسه حقاً »أنه المواطن العربي« المكتمل الملامح والحقوق، حسباً ونسباً وانتماءً.
لا الولادة في عمان جعلته أردنياً، ولا توزع سنوات التشرد بين بغداد ودمشق وبيروت، وبعدها باريس وعواصم أخرى، جعلته يقبل، مثلاً، أن يكون لاجئاً سياسياً. ظل هو هو: المواطن العربي بالمطلق.. يتجاوز الأقطار وحدود الدول الكرتونية العاصية على مواطنيها، المتهالكة أمام دبابة الأجنبي ونفوذه.
* * *
ليست هذه الكلمة نعياً شخصياً للصديق الصدوق، المبدع في فنه، والوفي في أخلاقه، والمناضل حتى النفس الأخير من أجل البديهيات التي بات ينكرها أهلها.
ليست نعياً شخصياً لأن عبد الرحمن منيف لم يكن واحداً منا، لقد كان جميعنا، ولم يكنه أي منا.
عبد الرحمن منيف كان »القضية« مجسدة في إنسان عظيم. هو الفلسطيني في الجزيرة العربية، العراقي في سوريا، السوري في الأردن، اللبناني في القاهرة، المغربي في بيروت، الجزائري في ليبيا، والعربي الخالص في باريس كما في أي عاصمة غربية.
ولم يكن عبد الرحمن منيف روائياً مجيداً إلا لأنه كان يغرف من تاريخ أمته، ومن آلام شعبه، ومن أحلام أهله، ويحاول أن يرشد إلى الطريق الصحيح.
لقد حذر من أن يلتهم النفط أحلام الفقراء والروابط بين أبناء الأمة الواحدة، وأن ينتهي بهم جميعاً خدماً عند الأقوياء الذين وحدهم يستطيعون أن يقرروا للنفط وجوده واستخراجه وطرق مواصلاته وأسعاره وأسواقه ووسائل نقله… بينما صاحبه البدوي فرح بالدنانير التي نالها بفضل المصادفة الجغرافية التي جعلت أرضه بالذات هي الأغنى بهذا الذهب الأسود.
* * *
لقد مات عبد الرحمن منيف بقرار. مات لأن مولد الأمل الجديد بعيد وهو لا يستطيع الانتظار أكثر. لعله خاف إذا ما طال الانتظار في قلب الوجع أكثر، أن يضعف فيقبل ما سبق له أن رفضه مراراً وتكراراً. خاف أن يأخذه الضعف إلى الارتهان، فترك »السكري« يذيبه حتى آخر رمق فيه.
مات عبد الرحمن منيف وليس في أرشيفه الشخصي صور له مع الحكام، وإن كان له الكثير من الصور متصدراً التظاهرات والاعتصامات والإضرابات، وتوقيعه الأول على كل عريضة احتجاج.
إنه شاهد علينا، نحن المواطنين، وليس شاهداً على الحكام وحدهم.
وهذه الكلمة ليست نعياً لشخص، لمبدع، لفنان عظيم. وليست نعياً لمواطن عربي نموذجي. لولا الخوف من عبد الرحمن منيف تكاد تكون نعياً لحلم الوحدة، لحلم العدالة الاجتماعية، لحلم الديموقراطية.
لقد مات عبد الرحمن منيف محاصراً، مثلنا، بالاحتلالين: الأميركي في العراق والإسرائيلي في فلسطين.
لكنه مات وهو مؤمن بأن العرب آتون، لا بد آتون..
… وسيبقى عبد الرحمن منيف في كل كلمة عربية، في كل حرف عربي.
إن عنوانه الجديد: اقرأ! اقرأ باسم ربك الأكرم، الذي علّم بالقلم.

نشر هذا المقاال في جريدة “السفير” بتاريخ 26 كانون الثاني 2004