احتدام المواجهة بين ايران والولايات المتحدة في العراق// معهد INSS – بقلم  الداد شافيت وسيما شاين

07 كانون2/يناير 2020
(0 أصوات)

 – 6/1/2020

“المواجهات الاخيرة في العراق بين الولايات المتحدة وايران والميليشيات الشيعية الحليفة لها تشدد التوتر بين الدولتين وان كان واضحا لهما ان لا مصلحة في التدهور الى مواجهة مباشرة. هذه مواجهات تعبر عن أزمة الدولتين في تحقيق اهدافهما”.

​لقد شمل تسلسل الاحداث الاخيرة في العراق هجوما نفذته ميليشيات شيعية ضد اهداف امريكية، أوقع بخلاف الماضي اصابات، هجوما امريكيا على اهداف تعود لـ “كتائب حزب الله” وهي ميليشيا شيعية – عراقية مدعومة من ايران، وهجمات على السفارة الامريكية في بغداد. كل هذه تصعد التوتر بين الولايات المتحدة وبين ايران. وتتهم الادارة الامريكية والرئيس ترامب شخصيا النظام الايراني بالمسؤولية عن التصعيد، بينما الزعيم الايراني، علي خامينئي، يلقي على الولايات المتحدة بالمسؤولية عن العنف في العراق وينفي الدور الايراني فيه. وبخلاف التطورات في منطقة الخليج، حيث وجهت الهجمات ضد اهداف للسعودية وغيرها من الدول، باستثناء اسقاط المسيرة الامريكية، فان الاحداث في ساحة العراق موجهة لجباية ثمن من الولايات المتحدة ايضا – وان كان دون اخذ المسؤولية عنها، استنادا الى التقدير بان الرئيس ترامب غير معني بالتصعيد. وفي الوسط توجد القيادة العراقية، التي تواجه في الاشهر الاخيرة احتجاجا شعبيا واسعا، تسبب بأزمة سياسية لا تبدو نهايتها قريبا ويحدق منها تهديد حقيقي على الاستقرار في الدولة.

​المصالح والاهداف للجهات المعنية:

ايران توجد تحت ضغوط تنبع سواء من آثار سياسة “الحد الاقصى من الضغط” للادارة الامريكية، أم من المظاهرات المتسعة في العراق في الاشهر الاخيرة، والتي تجري ايضا بدعوة شعبية لطرد النفوذ الايراني من الدولة. يرى النظام الايراني في الوجود الامريكي في العراق مصدرا لتشجيع المظاهرات ضد ايران، مثلما هو ايضا تهديد امني على حدود ايران. وعليه، فان احتدام المواجهة بينها وبين الولايات المتحدة في العراق يخدم مصلحة النظام الايراني في حرف الانتباه العراقي العام نحو “عدو” آخر.

​اما النظام الايراني من جهته فيتصدى في الاشهر الاخيرة ايضا لتحديات ثقيلة الوزن من الداخل ومن الخارج، يمكن ان تكون لها آثار على الاستقرار الداخلي ومحيطه الاستراتيجي. ومن اجمالي الخطوات التي اتخذها النظام يتبين بوضوح ان طريقة العمل التي تم اختيارها هي ابداء التصميم في ظل الايضاح للادارة الامريكية بان ليس له أي نية للاستجابة لمطالبها، وانه مستعد لان يرد بـ “الحد الاقصى من القوة” كي يجسد للادارة ثمن التدهور. كل هذا، في ظل الجهد للامتناع عن الوقوف في الجبهة العراقية. فبعد كل شيء، يشكل العراق ساحة مريحة للعمل إذ توجد فيه قوات امريكية، الى جانب قدرات عمل عديدة ومتنوعة لايران في هذه الدولة، من خلال حلفائها – الميليشيات الشيعية. وفي نفس الوقت، في نية النظام الايراني ان يواصل (اغلب الظن في الايام القريبة القادمة) تراجعه عن التزاماته ضمن الاتفاق النووي، مما يعني تقصير الجداول الزمنية كما تقررت في الاتفاق نحو انتاج مادة مشعة بل وربما التقدم الى التخصيب لمستوى عسكري في حالة اتخاذ قرار لعمل ذلك.

​الولايات المتحدة توجد في معضلة متزايدة الاحتدام: من جهة تتمسك الادارة بسياسة الضغط بالحد الاقصى على ايران، على أمل أن “تستسلم” هذه لمطلبها وتعود الى المفاوضات في مسألة النووي؛ من جهة اخرى، ليس لها مصلحة (مثلما يكرر الرئيس ترامب حتى في الاونة الاخيرة) في الصدام العسكري مع ايران، وبالتأكيد عدم الانجذاب الى مواجهة عسكرية مع ميليشيات مسلحة في اراضي العراق. فضلا عن ذلك، تقدر الادارة بانه حتى في حالة المواجهة، لا توجد أي ضمانة ان تستسلم ايران في النهاية وتستجيب للمطالب منها. ان دخول الولايات المتحدة لسنة الانتخابات، الذكريات المريرة من التدخل في العراق، وكذا الفهم بانه لا يوجد “حل سحري” – كل هذه تلزم الادارة بالحذر في ردود افعالها على التحدي الذي تقف امامه. وبالمقابل، فان صورة الضعف والضرر بمكانة وقوة الولايات المتحدة في الشرق الاوسط وخارجه قد تنطوي هي الاخرى على اثمان في الساحة الامريكية الداخلية من ناحية الرئيس ترامب، ولا سيما في حالة استمرار الاصابة للمواطنين أو للرموز الامريكية في العراق بخاصة وفي المنطقة بعامة.

​في العراق، توجد القيادة هي ايضا، وبقوة اكبر، بين المطرقة والسندان. فمن جهة، ايران لا تعتزم التخلي عن تدخلها وتحكمها في السياسة في بغداد، مثلما ايضا عن تسليح الميليشيات المؤيدة لايران التي تعتزم استخدامها سواء في الساحة الداخلية العراقية ام في ضوء التحديات الخارجية – بخاصة في سوريا، في وجه اسرائيل وكذا في سيناريو مستقبلي في لبنان. من جهة اخرى، لا تزال القيادة العراقية بحاجة الى المساعدة الامريكية في صراع لم ينته بعد ضد داعش. يذكر ان القوات الامريكية توجد في العراق بحكم دعوة من الحكومة العراقية. اضافة الى ذلك، يخشى النظام العراقي من تحول المناوشات في العراق بين الولايات المتحدة وبين ايران الى واقع مستمر. من جهة اخرى، فان الاحداث الاخيرة كفيلة بان تشكل لبغداد وسيلة لحرف انتباه الجمهور المحتج ضد الفساد السلطوي، والمطالب برحيل النخبة السياسية وتغيير طريقة الحكم. نشدد هنا على أنه للميليشيات الشيعية نفسها مصلحة في استخدام الخطوات تجاه الامريكيين في محاولة لتغيير جدول الاعمال الداخلي في العراق، بما في ذلك تشديد المطالبة برحيل الولايات المتحدة عن الدولة. والمظاهرات العاصفة حول السفارة الامريكية في بغداد تخدم هذه المصلحة. وعلى أي حال، بعد الهجمات الامريكية الاخيرة تعاظمت الدعوات التي سبق ان طرحت في السنة الاخيرة، بما في ذلك من جانب محافل عراقية رسمية لترحيل القوات الامريكية عن الدولة.

​ان ردود الفعل في الولايات المتحدة وفي ايران على المجريات في العراق تشهد على أن الطرفين ليس لهما مصلحة في التدهور الى مواجهة مباشرة. ومع ان الناطقين بلسان الادارة يواصلون التهديد على ايران، الا انهم يسعون لعرض الهجمات في العراق في سياق الرد على الاصابة للامريكيين. وايران ايضا، مثلما في الماضي، تحرص على التشديد على انها غير مسؤولة عن اعمال المليشيات الشيعية. ومع ذلك، واضح للطرفين ان الاحداث قد تؤدي الى مناوشات مباشرة بينهما في العراق وخارجه. ان القيادة في طهران واعية على ان التدخل الايراني ليس محبوبا لدى الكثيرين في العراق، وعليه، فمعقول ان تعظم المواجهة المتسعة المطالبة بترحيل النفوذ الايراني من الدولة ايضا.

​عمليا، يمكن ان نرى في الاحداث الاخيرة في العراق بالذات تعبيرا عن الضائقة الايرانية، مثلما هي ايضا الضائقة الامريكية. فالاحداث تجري بينما يجد الطرفان صعوبة في تحقيق اهدافهما الاستراتيجية: الادارة الامريكية فشلت حتى الان في أن تفرض على ايران تغييرا لسياستها سواء في سياق النووي أم في السياق الاقليمي في الشرق الاوسط، بينما ايران لا تنجح في تخفيف حدة التمسك الامريكي بالعقوبات الاقتصادية كوسيلة ضغط مركزية على ايران.

​على هذه الخلفية، لا يبدو ان الهجمات الامريكية تعكس تغييرا في الميل في السياسة الامريكية الاساسية، المعارضة لتعميق التدخل في الشرق الاوسط وبالاساس الاستخدام للوسائل العسكرية، التي من شأنها ان تتصاعد الى مواجهة عسكرية واسعة. يحقق رد فعل واشنطن أقوالا صريحة بشأن رد على المس بالجنود او المواطنين الامريكيين وعليه فالحدث يدور حاليا بقدر اكبر عن اضطرار في الرد على التطورات في الميدان، وليس عن تغيير في النهج. معقول ان تتطلع الادارة الى الامتناع عن الانجرار الى مواجهة عسكرية، والتي رغم التفوق الجوي للولايات المتحدة، من شأنها ان تتدهور الى حرب عصابات ضد اهداف امريكية في العراق، ودون أن تكون للولايات المتحدة شرعية عراقية –جماهيرية ومن جانب القيادة – للرد. مشكوك ان يكون الهجوم الامريكي في العراق يشكل مقدمة لخطوة عنيفة اكثر ضد اهداف ايرانية و/أو لحلفائهم، وبالتأكيد اذا لم يقع مزيد من الضحايا الامريكية في الارواح. فضلا عن ذلك، ينبغي الاخذ بالحسبان امكانية ان يحصل بعد جولة انزال الايادي الاخيرة، وكذا على خلفية الدعوات في العراق لاخراج القوات الامريكية من الدولة، ان يزداد تفضيل الرئيس ترامب للامتناع عن مواجهات عسكرية.

​ايران من جهتها ستواصل السير على حبل دقيق، بين المصلحة في جباية ثمن من الولايات المتحدة (وان كان دون العمل مباشرة تجاهها وبالتالي ساحة العراق مريحة من ناحيتها) وبين الخوف من ان تجبر خطوة ايقاع ضحايا امريكيين الرئيس ترامب الى توسيع الخطوات العسكرية ضد ايران مباشرة ايضا، الى جانب الخطوات ضد الميليشيات الشيعية. مثيرة للاهتمام في هذا السياق تصريحات السناتور ليندزي غرام، المقرب من الرئيس ترامب، الذي ألمح لامكانية أن ترد الولايات المتحدة اذا ما وقعت لها اصابات اخرى في المكان الاكثر ايلاما (لايران) ملمحا بمنشآت مصافي البترول.

​مؤخرا انطلقت في اسرائيل تصريحات حول الحاجة للعمل ضد ايران وحلفائها في الاراضي العراقية ايضا. ولكن، على اسرائيل أن تأخذ بالحسبان بان الهجوم الامريكي في العراق لا يبشر بتغيير النهج والادارة ستواصل تفضيل الامتناع عن ممارسة ضغوط عسكرية على ايران. على اسرائيل أن تتوقع تعاظم الحساسية في الولايات المتحدة للاصابات الامريكية في العراق. والتصعيد في العراق كفيل حتى أن يعزز دوافع الرئيس ترامب لتقديم موعد اخراج القوات الامريكية من الدولة. وعليه، فمن المهم الا تعتبر اسرائيل كمن يدفع الادارة نحو العمل بخلاف مصالحها وتعميق المواجهة العسكرية في اراضي العراق. فضلا عن ذلك، وفضلا عن الحاجة الى التنسيق مع الولايات المتحدة للخطوات والنشاطات الاقليمية، معروفة من ناحية اسرائيل اهمية كبيرة لمنع حرف الانتباه الدولي عن استمرار التآكل في الالتزامات الايرانية تجاه الاتفاق النووي.

 

موقع مخيم الرشيدية

المواقف الواردة في جميع المقالات والاخبار  تعبر عن رأي مصدرها  فقط 

الموقع : racamp@live.com

حول الموقع

   موقع مخيم الرشيدية الاخباري مستقل يهتم بأخبار اللاجئين الفلسطينيين في لبنان والشتات يشرف عليه مجموعة من الاعلاميين المتطوعين لخدمة القضية الفلسطينية. مرخص من المجلس الوطني للإعلام المرئي والمسموع في لبنان تحت علم وخبر رقم 252 .

Template Settings

Theme Colors

Blue Red Green Oranges Pink

Layout

Wide Boxed Framed Rounded
Patterns for Layour: Boxed, Framed, Rounded
Top