الله موجود، لا جدوى من محاربته // بقلم: يغئيل بن نون

09 تشرين1/أكتوير 2019
(0 أصوات)

الله موجود، لا جدوى من محاربته

هآرتس 8/10/2019

بقلم: يغئيل بن نون

(المضمون: ثورة العبادة سبقت ثورة الزراعة وثورة الكتابة وحتى سبقت تدجين الحيوانات والنار. لذلك لا يجب محاربة لله، بل يجب محاربة من يسيء استخدامه- المصدر).

من المقبول القول إن الشخص الملحد هو شخص ألقى عن كاهله الايمان بالله . "اتيست" (حرف الالف يشير الى الازالة)، هو الذي حرر نفسه من الحالة الشخصية لتيئوس(الله). من الواضح أنه اذا كان الامر كذلك فانه يمكن رفع فقط ما هو موجود. الملحد ينفي مقولة أن الله هو الذي خلق العالم. وهو يفضل أن نقول إن الانسان هو الذي خلق الله. يجب علينا عدم انكار حقيقة أنه على مدى التاريخ الانساني، الانسان كان بحاجة الى الله. في السابق كان هذا سبب الخوف من الموت ومن المجهول. الانسان الحديث احتاج الى الله بسبب الخوف من الفوضى وغياب قانونية مهدئة في الطبيعة. وايضا بسبب التوق الى ما بعد الطبيعي والى الباطني والى اعجوبة والى الرائع لنسبة لنا. حتى الباحث العقلاني ينشغل لبحث في خلق العالم. هو مستعد لقبول اللانهاية، لكنه يجد صعوبة في قبول عدم وجود بداية. هل هكذا نشأت نظرية الانفجار العظيم؟.

حدث تعبدي حدث على الكرة الارضية بين القرن الرابع عشر والقرن الثامن قبل الميلاد يجسد الحاجة الكامنة لدى بني البشر لآلهة وعبادتها. القصد هو الموقع الأثري في غوبكليتيبي في جنوب تركيا قرب الحدود مع سور. في هذا الموقع تم اكتشاف المعبد الاول في تاريخ الانسانية والموجود حتى الآن. هو يشمل نحو 300 لوحة رتفاع 3 – 5 امتار موضوعة في 20 دائرة. هذا الموقع بني قبل آلاف السنين من بناء الاهرامات في مصر وقبل ستوينغ. لقد اقيم في الفترة التي كان فيها البشر يجمعون الطعام أو يصيدونه كي يعتاشوا. اذا كان الامر كذلك فان الحاجة الى الله سبقت الزراعة وسكن الانسان في البيوت. حتى قبل تدجين النبات والحيوات من اجل الحصول على الطعام، وجدت الثورة العبادية، وهي سبقت ثورة الكتابة وثورة الزراعة وربما حتى تدجين النار. هل هذه العبادة شملت ايضا الآلهة؟ يمكن الافتراض بأنه نعم.

في بداية القرن السادس قبل الميلاد، الفلسفة اليونانية قبل سقراط اوجدت احدى الثورات الفكرية الهامة التي غيرت وجه العالم. اذا كان حتى ذلك الحين جميع الثقافات من الصومال وحتى الفرس انشغلت في المقام الاول بآلهة وابطال فوق مستوى البشر، فان المفكرين الهيلينستيين قاموا بثورة فكرية بعيدة المدى. لقد استخفوا بالعالم الاسطوري، وحولوا قصص الالهة الى الواقع المادي، ونظروا في الطبيعة ومكواتها الاساسية. لقد ابعدوا الله لصالح الملاحظات العقلانية للكون ومخلوقاته ومبنى المادة والمشاعر عن الموجود وعن الفراغ.

في العالم القديم فان العلاقة بين العبادة والالهة لم تكن تشبه على الاطلاق ما نسميه الآن ديانة. العبادة القديمة شغلت فقط القليل من سكان الممالك. السلطات اعتبرتها في الاساس وسيلة لتوحيد المواطنين حول شيء مشترك. في العالم الهيليني – الروماني تجليات العبادة جرت على الصعيد الرسمي – المدني. الهدف الاساسي كان الاهتمام بسياسة عالمية موحدة تضمن مكانة القيصر في ارجاء الامبراطورية المختلفة.

الشاعر والفيلسوف اليوناني كازانوفا مكارفن (في آسيا الصغرى 475 – 570 ق.م) الذي اعتبر المبشر لوحدانية، استخف بفكرة أن الله قد خلق الانسان على صورته وهيئته، كما هو وارد في قصة الخلق وفي سفر التكوين. وقد هاجم تعدد الآلهة وعارض التجسيم في روايات هوميروس واسيدس اللذين ينسبان للالهة نقاط ضعف وشهوات من اجل تبرير وجود هذه الصفات في المجتمع الانساني. من بين امور اخرى كتبا "لو أنه كانت للخيول والابقار اذرع ولو أنها كانت تستطيع الرسم مثل بني البشر فان الخيول كانت سترسم آلهة على شكل خيول. والابقار كانت سترسمها على شكل الابقار. وهم كانوا سيرسمون جسم الاله بالضبط مثل اجسامهم.

العالم الحديث ينظر بصورة مسيحانية للاله الواحد مقابل العالم متعدد الالهة الذي يسمى بازدراء وثني. الوحدانية انبتت الديانات التاريخية، اليهودية والمسيحية والاسلام. والوثنية في المقابل لم تنشيء هياكل دينية مع مؤسسات وكتب مقدسة نموذجية ومعتقدات. عمليا، الشرك ليس ديانة بالمعنى المعروف الآن.

في نظر الديانات الوحدانية فان العهد متعدد الالهة ليس سوى فترة ظلامية لشعوب بدائية، ما زالت لم تصل بعد الى الوعي. ان عبادة اله واحد كانت بمثابة ذريعة للتفوق الاستعماري الاوروبي في احتلالاته في امريكا وافريقيا وشرق آسيا. يمكننا حتى السؤال اذا كان اله واحد، الذي كل ديانة تنسبه لنفسها، مفضل على وضع يكون فيه لكل شعب اله خاص به، أو ما هي افضلية أن يكون اله واحد على اله وزوجته؟ ديانات وحدانية دمرت ملايين الناس من اجل أن تفرض نفسها على شعوب اخرى، حتى لو كانت هذه الشعوب تعبد اله واحد. باسم الديانات قتل الكثير من المؤمنين بها اذا انحرفوا قليلا عن النهج الارثوذكسي. من نواح كثيرة هذه الديانات غير مبنية على مباديء الاخلاق أو على الايمان وعلى المعتقدات والآراء، بل على خضوع مطلق لنماذج مقدسة. في اليهودية مثلما حددها الحاخامات لدينا فان الخضوع للوصايا استبعد الايمان عن الدين.

اضرار الالهة ليست سوى اضرار ممثليهم الرسميين. هم الذين خلقوا الله على هيئتهم وحسب نقاط ضعفهم وحولوا الالهة الى وسيلة لخدمة اهدافهم. هم خلقوا فكرة الاشراف السامي التي يمارسها الله على الفرد ويسيطر عليه. الله يعاقب من يخرق القانون الذي كتبه من اوجدوا هذه الشخصية الافتراضية. المشكلة اذا هي ليست وجود أو عدم وجود الله، بل الصفات التي ينسبها له من صنعوه، بالاساس الرغبة في أن يفرضوا عبادتها على من هو غير معني بها.

لا يوجد أي ضرر في أن يتوجه الانسان لشخصية افتراضية وقت الضائقة. هناك ايضا من يقول إنه ينفذ الوصايا ليس كأمر الهي، وليس بسبب الاشراف السامي، بل كقرار شخصي ذاتي. يشعياهو لافوفيتش قرر الخضوع المطلق للوصايا رغم أنها احيانا تناقض مبادئه الاخلاقية وعقله المنطقي. لا يوجد هنا حسب تقديري سوى فشل منطقي وضعف رأي.

اليهودية التقليدية ذهبت بعيدا ووضعت الصّديق فوق الاله. لقد وضعوا قاعدة تراكمية بحسبها "الصّديق يحكم والله ينفذ". أي أن الله هو أداة تخدم الحاخام. واضافوا بأن "الله يقضي والصديق يلغي". القصة الاسطورية "، الجريئة عن تنور عخنئي في التوراة تنتهي بدعوة الله نفسه "إبني انتصر علي". أي ان الحاخمات لا يخدمون الله بل العكس، هو يخدمهم ويخدم رغبام. من الذي يسيطر على الانسانية اذا؟ الله أم ممثليه؟

من المهم تناول انتقاد ديانة لكونها ديانة. الديانات التوحيدية، تاريخها وكتابتها القانونية، تستحق تناولا نقديا. اذا كانت الديانات قد وضعت الله في مركز عالمها واذا كانت حركات وطنية فاشية قد وضعت الدولة فوق الجميع، فان الانسانية الاخلاقية الآن تضع الانسان في مركز تكوينه. لا يجب محاربة الله، بل يجب محاربة من يسيء استخدامه.

موقع مخيم الرشيدية

المواقف الواردة في جميع المقالات والاخبار  تعبر عن رأي مصدرها  فقط 

Twitter

Has no content to show!

حول الموقع

   موقع مخيم الرشيدية الاخباري مستقل يهتم بأخبار اللاجئين الفلسطينيين في لبنان والشتات يشرف عليه مجموعة من الاعلاميين المتطوعين لخدمة القضية الفلسطينية. مرخص من المجلس الوطني للإعلام المرئي والمسموع في لبنان تحت علم وخبر رقم 252 .

Template Settings

Theme Colors

Blue Red Green Oranges Pink

Layout

Wide Boxed Framed Rounded
Patterns for Layour: Boxed, Framed, Rounded
Top